علينا الاعتراف بأن الواقع والمستقبل أكثر حدة مما كنا نظن قبل عدة سنوات. من الآن، ٢٠٢٠ كان حجر الزاوية في المعادلات الدولية، وكما قال هنري كيسنجر، ثعلب السياسة الأمريكي، في مقال نشر في The Guardian بعنوان «العالم بعد كورونا لن يكون كالعالم قبل كورونا»، أي أنه قام بتشبيه كورونا بفترات الحرب الباردة بين الروس والأمريكان التي انتهت في عام ١٩٩١.
وعلى غرار هذه اللعبة المتكررة، يأتي اللعب بأوراق التهديد الإثيوبي في ملف الحقوق المصرية الأزلية للمياه. ولا نحتاج إلى شرح الأهمية الحتمية لحقوق مصر في مياه النيل كشريان حياة المصريين منذ آلاف السنين. وهنا نستجلي مجموعة من المبادئ الهامة التي لابد أن يعيها جميع المصريين، وهي الفرق بين التحدي والمخاطر والتهديد بدرجاته.
التحدي: هو ما يتم التعامل معه عبر تغيير الفكر والعمليات النفسية المختلفة. ثم تأتي المخاطر: وهي المشاكل أو الأحداث التي يتم التنبؤ بها عبر تحليل المعلومات والسياسات الخارجية المختلفة، وعلى أساسها يتم وضع خطط وآليات عمل لمجابهتها، حيث يتم تحويل التأثير السلبي إلى تأثير إيجابي أو حتى تحييد مصدر تلك المخاطر. وأخيرا التهديدات: وهي الأحداث التي تتطلب تدخلا فوريا وحاسما من الأجهزة الأمنية المختلفة أو من القوات المسلحة أو الشرطة بشكل مباشر.
وعليه، فإن تصريحات السيد دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الأخيرة، وبشكلها المهيمن المعروف، قد وصفت الوضع أولا بإنهاء حرب وشيكة بين مصر وإثيوبيا، ثم انتقل به إلى كونه أمرا بسيطا وسهلا يمكن للولايات المتحدة أن تنهض لإنهائه فورا، وهو ما يخالف الحقيقة. فهو يعي تماما أنه لا يجوز وصف حقوق مصيرية ومقدرات شعب من أقدم شعوب الأرض، وكانت له السيادة دائما على النيل الأزرق، بكونها مشكلة بسيطة.
كما أنه يريد بذلك ليس فقط التسفيه من الوضع، ولكنه يريد أن يهبط به إلى مستوى أقل مما قد ذكرناه سالفا، أقل من مجرد تحد للدولة المصرية. وقياسا على قاعدة كيسنجر الشهيرة بأنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تقوم بحل المشاكل والأزمات، بل عليها أن تضع خيوط اللعبة بالكامل في يديها، ثم تدير الأزمات والمشاكل بشكل يخدم مصالح الولايات المتحدة. وفي التشكيل الرئيسي للتمثيل الإمبريالي وجوهره الداخلي، فهو قائم على نظام المقايضات؛ فلا توجد أزمة منتهية 100%، ولا يوجد تدخل بدون مقابل.
وبحسب التصريحات الإعلامية المصرية، فإن التوصيف الحالي هو «أزمة سد النهضة»، وهو ما يضعنا في المستوى المتوسط من الخطورة. لكن لابد أن أوضح لكم بأن تصريحات ترامب المستمرة ما هي إلا وسيلة ضغط ناعمة على مصر بعد وسائل الضغط الخشنة التي كانت في عهد جو بايدن أو ما سلفه. وبالتأكيد هو ليس حبا في مصر أو الرئيس المصري؛ فالإمبريالية لا تعرف سوى مشاعر المصلحة، ولا تتحدث سوى بلغة واحدة هي القوة والسيطرة.
تصريحات ترامب ما هي إلا عمليات نفسية على المستوى الرسمي، بينما ترد إثيوبيا بشكل ناعم عبر صفحاتها التي تتحدث العربية البسيطة، وهو ما يعني أنها موجهة تماما بلغة الخطاب الإعلامي والسياسي للمصريين، بعمليات نفسية أخرى تهاجم ترامب بشكل ناعم، وتعتبر أنه يتحدث في قضية محسومة من الأساس، وأن الأمر ما هو إلا استهلاك للمشاعر المصرية ليس إلا.
أضف إلى ذلك التحول الاستراتيجي في الخطاب الإعلامي الموجه للعالم، والتحول دائما يبدأ من المسميات؛ فتبدأ من «لا مساس بحقوق مصر في النيل» لتتغير إلى «لا حقوق لمصر». وكيف؟ لأن نهر النيل الأزرق ليس ملكا لدول المصب، لأن المنبع مشترك بين بحيرة تانا في المرتفعات الإثيوبية، وآخر يسمى نهر عطبرة (تكازي) ونهر السوباط (بارو)، اللذان ينبعان أيضا من المرتفعات الإثيوبية. وهو تحول استراتيجي في الخطاب الإعلامي والقانوني في ملف سدود النهر الأزرق.
وهنا يحدث انخفاض في الروح المعنوية، والتسليم بالأمر الواقع شعبويا، والنتيجة انخفاض مستوى الخطورة بشكل عام. فالأمر هنا تكاملي بين أجهزة الاستخبارات للعب بأوراق القضية. وهنا لنا وقفة بسيطة علينا أن نعيها جيدا: فعليا الخطر حقيقة لا يمكن إنكارها في سد النهضة فحسب، بل فيما بعد سد النهضة؛ لأن المخطط الحقيقي هو 11 سدا على نهر النيل، تم الانتهاء من واحد فقط منها.
فتكون النتيجة إما العطش أو الإغراق، وهو ما يضعنا داخل مستوى أعلى من الخطورة؛ حيث إنه تهديد مباشر للأمن القومي المصري، والأمن المائي جزء لا يتجزأ منه. فالأمر لن يقتصر على المساس بحصة مصر المائية، والبالغة ٥٥ مليارا ونصف المليار متر مكعب من المياه سنويا، بل إن تأثير السد الحالي يؤكد ما نتحدث بشأنه.
ففي تصريح رسمي لوزارة الري والموارد المائية المصرية، في بيان سابق، ذكرت فيه نصا أن مشغل السد الإثيوبي، عقب انتهاء ما يدعى بالافتتاح، قام يوم 10 سبتمبر 2025 بتصريف كميات كبيرة من المياه بلغت نحو 485 مليون م3، تلتها زيادات مفاجئة وغير منتظمة وصلت إلى 780 مليون م3 في 27 سبتمبر 2025، كما أظهرت التقديرات الخاصة بمناسيب بحيرة السد انخفاض المنسوب بما يقارب مترا واحدا، بما يعادل تصريف ما يقارب 2 مليار م3، بخلاف التصرفات الناتجة عن الفيضان الطبيعي، وهو ما أدى إلى زيادات كبيرة ومفاجئة في كميات المياه المنصرفة، قبل أن تنخفض مرة أخرى إلى حوالي 380 مليون م3 في 30 سبتمبر 2025.
هذا النوع من عدم الانتظام يؤكد أن المخطط قائم ومستمر، وقد أثر حتما على دولة السودان، كونها دولة المصب ما قبل الأخيرة، بخلاف سد كويشا الذي يشرعون حاليا في إثيوبيا في بنائه بنفس الهدف المعلن، وهو توليد الكهرباء.
أضف إلى ذلك تصريحات هابي كوهين، سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، أول أمس، حول «حق إسرائيل المشروع» وفقا للرواية الدينية «من النيل إلى الفرات». فهذا يؤدي بنا إلى نتيجة واحدة: المقايضة. وحتى الآن، وبهذه الوحشية الواضحة من التهديدات، فإن ما يريدونه في المقابل أكثر من مجرد أرض مرتبطة برواية دينية لا أصل لها.
وهو ما يتطلب منا وعيا كبيرا ونشره بين المواطنين، وخاصة الشباب. فإذا لم يكن لديهم الوعي المكمل للوعي الفطري الذي يظهر به المصري مع الميلاد، فإنهم هم المستقبل. مع إعادة صياغة كاملة الأركان لخطوط التأثير في مصر في خضم هذه الحروب، فلا شك الآن أنها حرب وجودية لمصر، وصراع تجاوز الشكل الكلاسيكي للصراعات، هو بوابة عبور للنظام العالمي الجديد.
ولا يمكن مواجهة العمليات النفسية والحصار على الشباب، الذي يخرج من بعض وسائل الإعلام المحلية وكل المنصات العربية والعبرية ووسائل التواصل الاجتماعي، بمن هم خبراء في «نط الحبل»! هذا لا يناسب مصر وثقلها التاريخي، وخطاب مغاير لما تحتاجه الدولة المصرية حاليا.
شباب مصر أمانة في عنق الجميع، فهي أثمن مقدراتها، ويستلزم قرارا حاسما من الآن، واستبعاد كل من لديهم أفكار جهنمية كنط الحبل وغيرها من الحيل البائسة للظهر على حساب المستقبل، والبدء الفوري في الشكل التعبوي لصالح القضايا المصرية من الآن على كافة المستويات: سياسيا، وثقافيا، وإعلاميا، وعلى المستوى الفني. فإنه لن تخرج مصر من أزماتها إلا حين يكتمل وعي الجميع ويسيرون بشكل موحد وفي اتجاه وطني واحد.
بخلاف ذلك، فالكل إقليميا وعربيا ودوليا وأمريكياً يلعب على طاولة كبيرة ليكون له مكسب ما في المقايضة العظيمة التي يجهزون لها حاليا.
وختاما مصر ستنتصر بنا أو بدوننا، هذا هو حكم التاريخ، وما علينا إلا أن نعمل في خدمتها لا غير دون أهواء، وإن لم يكن بمقدور البعض أن يفعلها بلغة الوطن فبلغة الحسم أو الاستبدال، مصر عظيمة وتستحق.




















