حين تتحول لغة الأرقام إلى “رصاصات” تخترق جيوب الكادحين، وتنتقل الدولة من “الإدارة الاقتصادية” إلى وضع “شبه الطوارئ” بقرار رئاسي حاسم، فإنا لسنا أمام مجرد تعديل في تعريفة الوقود، بل نحن أمام “زلزال سيادي” يعيد رسم حدود الصبر الشعبي.
إن التوجيه الرئاسي بفتح أبواب “القضاء العسكري” أمام المتلاعبين بالأسعار لم يكن مجرد تلويح بالعصا الغليظة، بل هو إعلان صريح بأن “أمن الرغيف والوقود” قد انتقل رسميا من عهدة المحاكم المدنية البطيئة إلى ساحات القصاص العسكري العادل؛ فهل تدرك وزارة البترول أن “المساءلة” هذه المرة قد لا تكتفي بكلمة “شكرًا” عند الرحيل، بل قد تذهب إلى ما هو أبعد بكثير في ظل حالة الحرب الإقليمية المستعرة؟
في ليلة العاشر من مارس، وتحديدًا عند الساعة الثالثة صباحا، استيقظ المصريون على وقع أرقام لا ترحم؛ أرقام تجاوزت مجرد كونها “زيادات سعرية” لتصبح “اختبارا للقدرة على التحمل”؛ بنزين 95 يقفز لـ 24 جنيها، والسولار – عصب الحياة والزراعة – يلامس الـ 20.5 جنيها، والبوتاجاز يشتعل بـ 275 جنيها للأسطوانة.
هنا، لا نتحدث عن أرقام صماء، بل عن نبض شارع يغلي تحت وطأة تداعيات جيوسياسية وصراعات إقليمية (إيرانية – إسرائيلية) وضعت العالم على فوهة بركان.
السؤال الذي يطارد الجميع؛ أين “الردع”؟، فبين مطرقة “شبه الطوارئ” وسندان “التسعير”.. هل آن أوان “المحاكمة العسكرية” لسياسات الطاقة؟ حين يتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي في حفل إفطار الأكاديمية العسكرية عن حالة “شبه طوارئ”، ويوجه بدراسة إمكانية إحالة “المتلاعبين بالأسعار” إلى القضاء العسكري، فإنه يضع النقاط على الحروف في لحظة فارقة؛ الرئيس أكد بوضوح؛ “لا تلاعب باحتياجات الناس”.
لكن، دعونا نتساءل بصوت عال وبكل تجرد؛ إذا كان التاجر “الجشع” يستحق الإحالة للقضاء العسكري لتلاعبه في كيلو جرام من السكر، ألا يستحق “واضعو السياسات” الذين تسببوا في ارتفاع تكلفة الإنتاج وتأخر الاستكشافات المحلية – مما حمل الموازنة أعباء مليارية – أن يساءلوا بنفس القدر من “الحزم العسكري”؟
هل سيتحول “المسؤول” إلى القضاء العسكري؟، نحن هنا لا نشهر بأحد، بل نقرأ “توجيهات القيادة” في سياقها الأشمل، إن إحالة المتلاعبين للقضاء العسكري ليست مجرد عقوبة، بل هي فلسفة حماية أمن قومي.
وإذا كان توفير الطاقة واستقرار أسواقها هو “أولوية قصوى” كما ذكرت الحكومة، فإن أي قصور في إدارة هذا الملف في ظل “حالة شبه الطوارئ” الراهنة يجب أن يعامل معاملة “التقصير في حماية المقدرات الاستراتيجية”.
الحكومة تبرر الزيادات بالاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين عالميا، وهذا واقع لا ينكره أحد؛ لكن، هل قامت وزارة البترول بكامل دورها في تحفيز الشركاء الأجانب وتقليل الفاتورة الاستيرادية بالسرعة المطلوبة؟ أم أننا نكتفي دائما بتحميل المواطن “فروق الأسعار” العالمية دون أن نرى “محاسبة عسكرية” للمقصرين في تحقيق الاكتفاء الذاتي الموعود؟
فقد أرسل الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة للجميع “اطمئنوا”.. ولكن بحساب!، حيث طمأن الرئيس المصريين بقوله؛ “إننا بخير”، وهي رسالة طمأنة واجبة من قائد لشعبه؛ لكن هذه الطمأنة تتطلب ظهيرا تنفيذيا قويا لا يرتعش في اتخاذ القرار؛ إن مطالبة الشارع بوضع ملف البترول بالكامل تحت مجهر “الرقابة الصارمة” – وربما المحاسبة العسكرية في حال وجود شبهات تلاعب أو تقاعس – لم تعد ترفا فكريا، بل هي ضرورة يفرضها وضع “شبه الطوارئ”.
وقد حان الآن المواجهة الكبرى، فإن “لجنة تسعير المنتجات البترولية” قد حركت الأسعار، لكنها حركت معها غضب الطبقة الكادحة؛ المحاكمة الحقيقية اليوم هي محاكمة “الكفاءة” في إدارة الأزمة؛ فإذا كان القضاء العسكري هو “الملاذ” لردع المتلاعبين الصغار، فليكن هو أيضا “المعيار” لتقييم أداء كبار المسؤولين عن أمن مصر الطاقي.
المسألة ليست في زيادة جنيهات على لتر بنزين، المسألة هي؛ هل نحن في حالة “شبه طوارئ” تستدعي محاسبة الجميع عسكريا.. أم أن “الردع” مطبق فقط على طرف واحد من المعادلة؟
إن زمن “أنصاف الحلول” قد ولى تحت وطأة الحروب الإقليمية وأزمات الطاقة التي لا ترحم، واليوم، لم يعد السؤال؛ “لماذا غلت الأسعار؟”، بل أصبح السؤال الوجودي؛ “من الذي سيدفع ثمن القصور في إدارة الأزمات؟”.
إذا كانت الدولة قد استلت سيف “القضاء العسكري” لحماية قوت الشعب من جشع التجار، فإن المنطق الوطني يقضي ألا يغمد هذا السيف قبل أن يمر على رقاب المقصرين في كل المواقع، تكنوقراطا كانوا أو مسؤولين.
إن حالة “شبه الطوارئ” التي نعيشها لا تقبل القسمة على اثنين؛ فإما عبور آمن للجميع، وإما محاسبة عسكرية تاريخية تليق بحجم التحدي؛ فهل تدرك وزارة البترول أن الشارع لم يعد يحتمل “بيانات التبرير”، وأن ميزان العدالة العسكرية لا يعرف المحاباة حين يتعلق الأمر بأمن مصر القومي؟ لقد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، وبقي الحساب.




















