كلما ارتفع سعر الدولار أمام الجنيه المصري، تبدأ الأسئلة المعتادة: هل السبب نقص العملة الأجنبية؟ هل هو التضخم؟ هل هو الدين الخارجي؟ هل المضاربات؟ هل الظروف الجيوسياسية؟ أم أن عدد السكان أصبح أكبر من قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاتهم؟ كل هذه العوامل لها تأثير، لكن الاكتفاء بها يعني التعامل مع أعراض الأزمة لا جذورها، فلو كانت المشكلة مجرد أزمة سيولة مؤقتة، لكان ضخ مليارات الدولارات كافيًا لإنهائها نهائيًا، لكن ما يحدث في مصر خلال السنوات الماضية يقول شيئًا مختلفًا تمامًا فكلما حصل الاقتصاد على جرعة كبيرة من العملة الأجنبية، هدأ الضغط مؤقتًا، ثم عادت المشكلة من جديد.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر أهمية: لماذا يحتاج الاقتصاد المصري إلى الدولار باستمرار، بينما لا يستطيع إنتاج الدولار بالقدر نفسه من خلال قاعدة إنتاجية وتصديرية قوية؟ هذه هي القضية الحقيقية وراء رحلة الجنيه، فالدولار لم يرتفع من نحو 5.95 جنيه في 2011 إلى أكثر من 49 جنيهًا في 2025 و2026 لأن السوق قررت فجأة أن الجنيه بلا قيمة؛ وإنما لأن هناك اختلالًا عميقًا بين حجم الطلب على العملات الأجنبية وقدرة الاقتصاد على توليدها بصورة مستدامة، وبالتالي فإن علاج أزمة الجنيه لا يبدأ من شاشة أسعار الصرف، وإنما من المصنع والمزرعة والميناء وشركة التكنولوجيا وسلاسل التوريد داخل المحافظات.
فاتورة الدولار: أين يذهب النقد الأجنبي؟
لفهم الأزمة، علينا أولًا أن ننظر إلى الجانب الآخر من المعادلة: لماذا يطلب الاقتصاد المصري الدولار؟ خلال السنة المالية 2024/2025، بلغت قيمة الواردات السلعية نحو 91.2 مليار دولار، في مقابل صادرات سلعية بلغت نحو 40.2 مليار دولار، أي أن الفجوة التجارية السلعية الإجمالية تقترب من 51 مليار دولار، وهذا الرقم وحده كافٍ لطرح سؤال صعب: كيف يمكن لاقتصاد يستورد سلعًا بأكثر من ضعف ما يصدره أن يحافظ بصورة مستقرة على قيمة عملته دون تدفقات دولارية ضخمة من مصادر أخرى؟ والأهم أن الواردات ليست كلها سلعًا استهلاكية يمكن الاستغناء عنها، جزء مهم منها عبارة عن مواد خام ومستلزمات إنتاج وآلات ومعدات ومكونات تدخل في العملية الإنتاجية، وهنا تكمن المفارقة، نحن نحتاج إلى الدولار لكي نستورد المدخلات التي تساعدنا على الإنتاج، ثم نصدر منتجات تحتوي على جزء من هذه المدخلات المستوردة، ولذلك لا يكفي أن نقول إن مصر تصدر 40.2 مليار دولار، السؤال الأهم هو: كم دولارًا من القيمة المضافة المصرية الحقيقية تختبئ داخل هذه الصادرات؟ فالاقتصاد الذي يستورد مكونات المنتج ثم يقوم بتجميعها وتصديرها يختلف جذريًا عن اقتصاد يصنع الآلة والمكون والخامة والخدمة الهندسية والتكنولوجيا داخل بلاده، الأول قد يرفع رقم الصادرات، أما الثاني فيبني قدرة حقيقية ومستدامة على توليد العملة الأجنبية، ليست المشكلة في الاستيراد… وإنما في الاقتصاد الذي لا يستطيع تعويضه، من الخطأ الاقتصادي الدعوة إلى إغلاق أبواب الاستيراد، الصناعة الحديثة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن العالم، ومصر تحتاج إلى استيراد التكنولوجيا والآلات وبعض الخامات والمكونات، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستيراد من وسيلة لبناء القدرة الإنتاجية إلى بديل عن القدرة الإنتاجية، والفرق كبير، إذا استوردت مصر آلة لكي تنتج بها سلعة تصدرها إلى الخارج، فإن الدولار الذي خرج اليوم يمكن أن يعود غدًا مضاعفًا، أما إذا استوردت سلعة استهلاكية بصورة دائمة دون بناء قدرة محلية تنافسية على إنتاجها، فإن الدولار يخرج وينتهي الأمر، وهنا يجب أن يكون هدف السياسة الصناعية المصرية واضحًا: ليس منع الواردات، وإنما تحويل الواردات من عبء دائم إلى مدخل مؤقت لبناء الإنتاج.
الدين الخارجي: دولار مطلوب قبل أن ننتج دولارًا جديدًا
إذا كانت فاتورة الواردات تمثل أحد أكبر مصادر الطلب على الدولار، فإن الدين الخارجي يضيف ضغطًا بالغ الخطورة، فوفق البيانات المنشورة، بلغت خدمة الدين الخارجي خلال السنة المالية 2024/2025 نحو 38.7 مليار دولارىمنها: 30.2 مليار دولار أصل الدين، 8.5 مليار دولار فوائد، أي أن خدمة الدين وحدها تعادل نحو 42.4% من فاتورة الواردات السلعية البالغة 91.2 مليار دولار، هذه النسبة تقول شيئًا بالغ الأهمية، فالاقتصاد المصري لا يحتاج إلى الدولار فقط لكي يشتري ما يحتاجه اليوم، وإنما يحتاج أيضًا إلى الدولار لكي يسدد التزامات الماضي، وهنا يمكن أن تدخل الدولة في دائرة خطرة: نحتاج الدولار ثم نقترض ثم يتزايد الدين ثم نحتاج مزيدًا من الدولار للسداد ثم نبحث عن اقتراض جديد.
القرض ليس خطأ في ذاته.
الخطأ هو أن يتحول الاقتراض إلى مصدر دائم لتمويل العجز الهيكلي بدل أن يكون وسيلة لتمويل استثمارات تولد عوائد مستقبلية، الدين الذي يمول مصنعًا تصديريًا قادرًا على توليد الدولار يمكن أن يكون استثمارًا، أما الدين الذي يمول استهلاكًا أو يسد فجوة متكررة دون تغيير هيكل الاقتصاد، فهو يؤجل الأزمة ولا يلغيها.
المفارقة الكبرى: تحويلات المصريون بالخارج والنظرة السلبية للثروة البشرية
من أكثر الأرقام إثارة للتأمل تطور تحويلات المصريين العامليين بالخارج في بيانات 2024/2025 وصول تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 36.5 مليار دولار، بزيادة قدرها 66.2% عن العام السابق، وصل الي 47.5 مليار دولار في العام المالي 2025-2026 حسب التقديرات المعلنة، وهنا يجب أن نتوقف أمام مسألة كثيرًا ما تُطرح بصورة مختلفة: الزيادة السكانية ، صحيح أن زيادة السكان تعني مزيدًا من الاحتياجات الغذائية والسكنية والطاقة والنقل والتعليم والصحة، وإذا لم تزد الإنتاجية بالقدر نفسه فإن الضغط على الواردات يرتفع، لكن اختزال المشكلة الاقتصادية في عدد السكان يتجاهل حقيقة أساسية: الإنسان ليس مستهلكًا فقط، وإنما يمكن أن يكون منتجًا ومصدرًا للعملة الأجنبية، والدليل موجود أمامنا، 36.5 مليار دولار دخلت مصر في عام واحد من تحويلات المصريين بالخارج، ارتفعت الي 47.5 مليار في العام التالي هذا الرقم يفوق إيرادات قناة السويس بنحو عشرة أضعاف تقريبًا، ويتجاوز ضعف إيرادات السياحة بأكثر من مرة، فهل المشكلة إذن أن مصر لديها عدد كبير من المصريين؟ أم أن المشكلة أن الاقتصاد المصري لا يستغل هذه الكتلة البشرية الهائلة بالقدر الكافي داخل الاقتصاد المحلي؟ المصري الذي يعمل في الخارج ليس عبئًا على الاقتصاد، إنه جزء من القوة الاقتصادية المصرية الممتدة خارج الحدود، لكن المأساة أن الاقتصاد المصري يعتمد على تصدير العمالة للحصول على الدولار، بدل أن يخلق داخل مصر قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة تستوعب هذه الطاقات، وهنا ينبغي أن تتحول النظرة إلى المصريين في الخارج من مجرد محوّلين للأموال إلى سفراء اقتصاديين لمصر: مستثمرين، وشركاء، ومصدرين، وناقلين للتكنولوجيا والخبرات، ومداخل للأسواق العالمية.
قناة السويس والسياحة: مصادر مهمة… لكنها ليست استراتيجية اقتصادية كاملة
بلغت إيرادات السياحة نحو 16.7 مليار دولار، فيما بلغت إيرادات قناة السويس نحو 3.6 مليار دولار، وهما مصدران مهمان جدًا للعملة الأجنبية، لكن الأرقام تضع أمامنا حقيقة لا يجوز تجاهلها، تحويلات المصريين بالخارج بلغت أكثر من ضعف إيرادات السياحة، وأكثر من عشرة أضعاف إيرادات قناة السويس، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية السياحة أو القناة، على العكس، قناة السويس أصل استراتيجي عالمي، والسياحة قطاع قادر على التوسع وخلق فرص العمل والنقد الأجنبي، لكن الاعتماد المفرط على مصادر تتأثر بالأزمات الخارجية يحمل مخاطرة كبيرة، السياحة تتأثر بالحروب والأزمات الاقتصادية والأوبئة، وقناة السويس تتأثر بحركة التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية، والتحويلات تتأثر بظروف أسواق العمل في الدول المضيفة، أما المصنع الذي يمتلك منتجًا تنافسيًا وعلامة تجارية وأسواقًا خارجية، فيستطيع أن يستمر في توليد الدولار عامًا بعد عام، وهنا تكمن قيمة الصناعة.
ماذا يجب أن تفعل مصر؟
تحتاج مصر إلى إعادة توجيه نموذجها الاقتصادي نحو الإنتاج والتصدير، بحيث تصبح الصناعة العمود الفقري للاقتصاد عبر بناء قاعدة صناعية متكاملة تشمل الآلات والمكونات والمواد الوسيطة والمنتجات النهائية، إلى جانب الخدمات الهندسية والبرمجية واللوجستية. وينبغي أن يكون التصنيع منذ البداية موجّهًا ليس للسوق المحلية فقط، بل للأسواق العربية والأفريقية والأوروبية أيضًا، مع تبنّي سياسة لإحلال الواردات تقوم على المنافسة لا الحماية الدائمة، بحيث يرتبط الدعم بالجودة وخفض التكلفة وزيادة المكون المحلي والإنتاجية والقدرة على التصدير. وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلى إعادة توجيه جزء أكبر من الاستثمارات من الأنشطة العقارية إلى القطاعات الإنتاجية، وربط الحوافز الاقتصادية بالتصدير والتشغيل والقيمة المضافة والتكنولوجيا والمكون المحلي، بما يجعل الاستثمار الأجنبي شريكًا في بناء القدرة الصناعية لا مجرد مصدر مؤقت للسيولة. كما ينبغي النظر إلى المحافظات باعتبارها مراكز إنتاج وصناعة محتملة يمكن أن تستفيد من مواردها البشرية والمادية، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد أعباء إدارية.
المصريين بالخارج
يمكن لمصر أن تتعامل مع المصريين في الخارج باعتبارهم قوة استثمارية واقتصادية متكاملة، لا مجرد مصدر للتحويلات المالية؛ فإذا كانت تحويلاتهم تصل إلى 36.5 مليار دولار، فمن الممكن توجيه جزء من هذه القوة نحو تمويل مشروعات صناعية وتصديرية عبر أدوات استثمارية مخصصة، وربط المستثمر المصري بالخارج بمشروعات صناعية محددة ذات جدوى واضحة، والاستفادة من شبكاتهم وعلاقاتهم في الأسواق الأجنبية لتسويق وتوزيع المنتجات المصرية. فالمصري في الخارج لا ينبغي أن يقتصر دوره على إرسال الأموال، بل يمكن أن يصبح ممولًا وشريكًا ومسوقًا وخبيرًا وبوابة إلى سوق أجنبية، بما يحول الاغتراب المصري من مصدر للتحويلات فقط إلى شبكة اقتصادية عالمية تدعم الاستثمار والإنتاج والتصدير.
الاقتصاد الرقمي والخدمات التصديرية
لم يعد مستقبل الصادرات المصرية مرتبطًا فقط بالسلع التقليدية مثل الحديد والأسمنت والمواد الغذائية، فاقتصاد العالم يتغير بسرعة، وتزداد أهمية الخدمات والاقتصاد الرقمي كمصادر مستدامة للعملة الأجنبية. وتمتلك مصر فرصة كبيرة للتوسع في تصدير البرمجيات، وخدمات التعهيد ومراكز الاتصال، والخدمات الهندسية والتصميم، إلى جانب الخدمات الطبية والتعليمية والاستشارية والمالية والمحتوى الرقمي. وتمتاز هذه القطاعات بأنها لا تتطلب بالضرورة استثمارات ضخمة في البنية المادية، بقدر ما تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان والمهارات والتكنولوجيا، وهو ما يسمح لمصر بتحويل ميزتها الديموغرافية من تحدٍ اقتصادي إلى ميزة تنافسية عالمية، عبر خلق فرص عمل عالية القيمة وزيادة حصيلة الصادرات من الخدمات وجذب المزيد من تدفقات العملة الأجنبية.
يجب أن يخضع اقتراض الدولة لسؤال اقتصادي بسيط وحاسم: من أين سيأتي الدولار الذي سيسدد هذا الدولار؟ فإذا كان الاقتراض سيموّل مصنعًا تصديريًا، أو مشروعًا سياحيًا يولد إيرادات دولارية، أو بنية تحتية ترفع القدرة التصديرية وتخفض تكلفة الإنتاج، فإن للدين مبررًا اقتصاديًا واضحًا لأنه يساهم في خلق الموارد اللازمة لسداد نفسه. أما إذا كان الاقتراض لا يستند إلى مصدر مستقبلي واضح للعملة الأجنبية، ويعتمد فقط على البحث عن تمويل جديد عند حلول موعد السداد، فإن الأمر لا يمثل استراتيجية اقتصادية مستدامة، بل مجرد إدارة للزمن وتأجيل للمشكلة.
الجنيه ضحية اقتصاد وليس أصل الأزمة
سعر الدولار ليس إلا مرآة تعكس حقيقة الاقتصاد. قد لا تعجبنا الصورة التي تظهر فيها، وقد نحاول تغييرها أو إخفاءها، لكن كسر المرآة لا يغيّر الوجه، وإذا كانت مصر تريد عملة أكثر استقرارًا، فلا يمكن أن يظل الحل محصورًا في مطالبة البنك المركزي بالدفاع عن الجنيه، أو في البحث كل عام عن مصدر جديد للدولار، أو في تدبير سيولة مؤقتة تؤجل المشكلة من أزمة إلى أخرى، لأن اقتصادًا يحتاج باستمرار إلى دولار جديد كي يحافظ على توازنه، هو اقتصاد لم يعالج أصل الخلل بعد، المطلوب إذن ليس إدارة أزمة سعر الصرف، بل إعادة بناء الاقتصاد المصري حول الإنتاج، اقتصاد يستورد لكي ينتج، لا لكي يستهلك، وينتج لكي يصدر، لا لكي يكتفي بسوقه المحلية، ويستثمر لكي يرفع الإنتاجية، لا لكي يطارد العائد السريع، ويستفيد من ملايين المصريين في الداخل والخارج باعتبارهم قوة إنتاج ورأس مال وخبرة، لا مجرد مصدر للتحويلات، ويحوّل المحافظات من أسواق استهلاك إلى مراكز إنتاج حقيقية، ويضع الصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير في قلب الائتمان والاستثمار والبنية الأساسية والتعليم الفني، فالعملة القوية ليست قرارًا إداريًا، ولا سعرًا يمكن تثبيته إلى الأبد، ولا نتيجة لتدفق مؤقت من الأموال، العملة القوية هي نتيجة اقتصاد قوي.





















