يطرح مقال الدكتور حسام بدراوي قضية جديرة بالنقاش، ويفتح الباب لحوار مهم بشأن العديد من المسائل التي نتعامل معها على أنها مسلمات وبديهيات وحقائق أبدية، فالمقال يتناول أهم هذه البديهيات، الدولة، وهي مسألة على قدر كبير من الحساسية والخطورة بالنسبة لمصر ودول المنطقة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بعد مرور مائة عام، أو يزيد قليلاًعلى تشكل النظام الراهن لدولها المعروفة الآن ضمن حدود استقرت.
على مدى عقود، ورغم الاعتراف بهذه الحدود، كحدود قانونية، إلا أن شرعيتها هذه الحدود ظلت تواجه تحدياً، إما لأسباب تتعلق بالأيديولوجيا التي تبلورت في البيئة العربية الإسلامية، والتي تعلي من فكرة الجماعة أو الأمة المنتسبة إلى الدين على الدولة أو الأمة بالمعني التاريخي، أو من قبل جماعات عقائدية ترفض الاعتراف بها بوصفها حدودا فرضتها القوى الاستعمارية بما يتوافق مع مصالحها التي يأتي في مقدمتها تجزئة الأمة الواحدة، سواء كانت هذه الأمة عربية أم إسلامية، أو من قبل جماعات عرقية ترى أن الحدود الراهنة فرضت عليها ثقافة غير ثقافتها ولغة غير لغتها، ضمن صيغة للدولة التي لم يكتمل بعدبناء هويتها الوطنية الجامعة.
من يدرس تاريخ منطقة الشرق الأوسط، منذ الحرب العالمية الأولى، لا يمكنه تغافل الدور الذي لعبته القوى الأوروبية الاستعمارية التي خرجت منتصرة من الحرب في تشكيل دولها، لاسيما أن بعض هذه الدول تمكن من احتلال مناطق في العالم العربي الممتد من ساحل الخليج إلى المحيط الأطلسي، لكن غالبا ما يتم تجاهل مسألتين فيما يخص هذا التاريخ.
المسألة الأولى هي تاريخ نشوء الدول وانهيارها في مرحلة تاريخية ممتدة عاشت شعوب المنطقة خلالها في ظل الخلافة الإسلامية. فقد نشأت دول وانهارت تحت مظلة هذه الخلافة التي انقسمت، بعد الخلافة الأموية، إلى خلافة أموية في الأندلس وفي المغرب وخلافة أخرى عباسية في المشرق، وخلاقة ثالثة فاطمية في مصر، تعد هيالخلافة الشيعية الوحيدة، لكن لا يعرف عن هذه الدول شيء سوى الدارسين المتخصصين، إلى حد أن ساد الاعتقاد بأن شعوب المنطقة عاشت في ظل دولة واحدة، هي دولة الخلافة، وهو أمر لم يحدث إلا في عهد الخلفاء الأربعة، أي في مرحلة التأسيس والتوسع، ومع الخلافة الأموية، ثم مؤخرا مع العثمانيين الذين فرضوا سيطرتهم الإسمية على معظم المناطق الواقعة في الشام ومصر والمغرب، وظلت هناك مناطق خارج نطاق سيطرتهم الإسمية وأخرى كانت خارج نطاق سيطرتهم الفعلية.
المسألة الثانية التي يجري تجاهلها في عملية تشكل دول الشرق الأوسط، تتعلق بالنخب والقوى الاجتماعية التي لعبت دورا أساسيا في تشكل الدول الحالية وعلى نحو اختلف كثيرا عن خرائط التقسيم التي وضعتها القوى الاستعمارية، فجاءت الدول المعاصرة نتيجة للصراع بين هذه النخب والقوى الاجتماعية التي تَشكَّل بعضها، لاسيما في فلسطين، عبر موجات من الهجرة من خارج المنطقة أو من داخلها في عملية استمرت لعقود سبقت تفجر الصراع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين.
وعليه لم يكن تشكل الدول المعاصرة نتيجة للخطط الاستعمارية وحدها وإنما استندت أيضا إلى قوى اجتماعية محلية تطورت داخل رحمها حركات التحرر الوطني والاستقلال ضمن الحدود التي تشكلت، ودافعت هذه القوى عن الدولة ما بعد الاستعمارية بحدودها بعد الاستقلال، ودخلت في حروب لهذا السبب.
غير أن مقال بدراوي ينبهنا إلى أن استمرار وبقاء بعض الدول صار موضع شك، نتيجة لصراعات وحروب داخلية وإقليمية قد تتغير معها الخرائط، أو نتيجةلحروب دولية، أو تحولات تكنولوجية أو بيئية، فالدولة وما يرتبط بها من مظاهر ليست أمراً طبيعيًا أو أزليًا وليست ضرورة ملازمة للإنسان، وأثبتت البحوث الأنثروبولوجية والتاريخية والاجتماعية، هذه الحقيقة والتي أكدت أن لجميع الدول نقطة بداية، مما يرجح أن تكون لها أيضا نقطة نهاية، فتاريخ المنطقة القديم والوسيط يشير إلى نشأة الدول وزوالها إما بالتفكك أو الاندماج، وعلى نحو يدفعنا إلى ضرورة التفكير في الأسس أو الركائز التي تستند عليها الدولة في حياتها وتطورها.
في مقدمة هذه الركائز المجتمع، الذي يشير إلى الجماعة أو الجماعات البشرية التي تعيش ضمن حدود هذه الدولة والذي يمنح تماسكه للدولة القدرة على الاستمرار، أو يؤدي تفككه إلى تفكك الدولة وانهيارهاوزوالها.
نعم التاريخ يخبرنا بأن هناك دولا وإمبراطوريات تلاشت واختفت لتنشأ أو تقوم دولة أو إمبراطورية أخرى، لأسباب مختلفة، ولا توجد دولة في العالم لديها حصانة أبدية تمنع تلاشيها وزوالها، ما لم تأخذ بأسباب الاستمرار.
لكن ذلك لا يعني انتهاء الدولة كفكرة وكترتيب مؤسسي يحفظ للمجتمع استقراره واستمراريته، فالدولة أهم منتج عرفته البشرية وهي الضمانة الأساسية لعدم انزلاق المجتمع إلى الفوضى الشاملة أو حالة حرب الجميع ضد الجميع التي يصفها الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679)، في كتابه الشهير “اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة”.
وعاصر هوبز الثورة الإنجليزية والحروب الدينية في فرنسا وانجلترا، وأثر الحدثان تأثيرا كبيرا في نظريته عن الدولة وضرورتها.
لكن لا ينبغي لتلك الحقيقة أن تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الدولة هي الشكل الوحيد لتنظيم العلاقات داخل أي جماعة بشرية، إذ عرفت الجماعات البشرية ترتيبات أخرى قبل ظهور الدولة وفي ظلها، وقد تتوصل إلى ترتيبات جديدة إذا قدر للبشرية الدخول في مرحلة ما بعد الدولة.
والدول ككيان نشأ في سياق تطور البشرية، أخذت أشكالا متباينة ومرت بمراحل من القوة والضعف، بحسب درجة تطورها المؤسسي وامتلاكها لموارد تمكنها من الحفاظ على هامش لاستقلاليتها في مواجهة المجتمع الذي تدير شؤونه بتكويناته الاجتماعية المختلفة، التي قد يكون من بينها قوى رافضة للدولة، وقوى متصارعة، بالضرورة، من أجل السيطرة على جهاز الدولة وتسخيره لخدمة مصالحها المباشرة.
وللدول وظائف محددة تؤديها وتعتمد قوة الدولة أو ضعفها وهشاشتها على قدرتها على الاضطلاع بوظائفها وأداء مهامها.
ورغم أن النظرية الماركسية ترى، بشكل عام، أن الدولة أداة في يد الطبقة المسيطرة، إلا أن ماركس في بعض تحليلاته انتبه إلى مسألة استقلالية الدولة كمؤسسة في مواجهة الطبقات الاجتماعية ولم يشك لينين للحظة في أهمية الدولة ودورها.
وكذلك تشكل نقطة انطلاق أساسية في الفلسفة الليبرالية، وكذلك في الفكر الإسلامي رغم تداخلها مع مفاهيم أخرى مثل الجماعة والأمة.
وأصبحت الدولة وما تتمتع به من سلطة في مواجهة السلطات الاجتماعية أو الأيديولوجية الأخرى موضوعًا مركزيا بالنسبة للمجتمعات، وتتباين أشكال الدول وأنماطها في ضوء طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع الذي تدير شؤونه، وتضيق أدوارها أو تتسع بحسب رؤية النخبة التي تدير شؤون الدولة وتتحكم في مؤسساتها.
علاقة المجتمع بالدولة
من المحاور المهمة في دراسة النظم السياسية دراسة شكل العلاقة بين المجتمع والدولة state-society relations. والتي تشير بحسب التعرِيفات المتفق عليها إلى “التفاعلات” بين مؤسسات الدولة من ناحية وبين المجموعات المجتمعية، من ناحية أخرى.
وتتعلق هذه التفاعلات بالتفاوض حول كيفية ممارسة السلطة العامة وكيف يؤثر الناس على هذه الممارسة، وتتمحور حول قضايا مثل تحديد الحقوق والالتزامات المتبادلة بين الدولة والمجتمع، والتفاوض بشأن تخصيص الموارد العامة، وإرساء أشكال مختلفة للتمثيل والمساءلة.
فالعلاقات بين الدولة والمجتمع، هي التي تحدد شكل النظام السياسي وأسسالمواطنة وهي التي تصون التماسك الاجتماعي والسياسي، فهذه العلاقات بالغة الأهمية لعمليات بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي وبناء السلام الداخلي أو فرضه من خلال قدرتها على التحكم في الصراعات بين القوى الاجتماعية المختلفة وتنظيمها. وترتبط قدرة الدولة على القيام بدورها الرئيسي على مدى الشرعية التي تتمتع بها في أعين مواطنيها.
والعلاقة بين الدولة والمجتمع ليست علاقة ثابتة لا تتغير، كما أنها لا تمضي في اتجاه واحد، وإنما هي علاقة جدلية تقوم على التأثير المتبادل، ومرت الدولة في تطورها، من مرحلة السلطة المطلقة في مواجهة الجميع، خصوصا مع نشأة الدول الملكية المطلقة، التي عززتها نظريات الحق الإلهي في الحكم، وصولا إلى الدولة المدنية الحديثة المؤسسة على فكرة المواطنة والنظر إلى الدولة باعتبارها وكيلاً عن المجتمع والمفوض في إدارة شؤونه وفق صلاحيات محددة دستوريا، وبما يوفر للأفراد حريتهم ويصون حقوقهم.
في سياق هذا التطور حدث التمايز ما بين الحكومة والدولة، خصوصا في النظم المستقرة، ذلك أن هذا التمايز هو الذي يضمن استمرارية الدولة رغم تغير الحكومات وتعاقبها، وبلغ هذا التمايز ذروته في الدول الديمقراطية المستقرة، ويستفيد الفرد نتيجة لهذا التمايز بين الدولة كوكيل عن المجتمع، وبين الحكومة المُكلفة بإدارة شؤون المجتمع من خلال حماية حقوق الأفراد الأساسية والطبيعية في مواجهة السلطات المختلفة بما في ذلك سلطة الدولة ذاتها، فهذا التمايز الذي يتم التعبير عنه من خلال ترتيبات مؤسسية تقوم على أساس الفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة فيما بينها الركيزة للديمقراطية.
لكن هذا التمايز غائب في نظم الحكم الاستبدادية، حيث يجري التعامل مع الدولة والحكومة باعتبارهما كيان واحد، وهو وضع ينطوي على مخاطرة كبيرة إذ أن انهيار الحكومة قد يؤدي في حالات عديدة إلى انهيار الدولة ذاتها وتفككها وربما تلاشيها، بل إلى تفكك المجتمع وانقسامه على أساس الهويات الفرعية، الدينية أو القومية أو الاثنية داخله.
هذه المسألة واضحة للغاية في الحالات التي لا تكون فيها الدولة تعبيرا عن أمة، فالأمة كما يؤكد بدراوي، تمتلك مقومات تجعلها أكثر قدرة على البقاء والاستمرارية لفترات أطول من الدولة وقد تستمر لآلاف السنين رغم الاحتلال وتبدل الحكام، كما هو الحال مع مصر والصين وروسيا وإيران، والتفت بدراوي في مقاله إلى هذا الفارق بين الدولة باعتبارها ترتيب سياسي، وبين الأمة باعتبارها “رواية ممتدة في الزمن”، ولا تزول إلا إذا فقدت ذاكرتها وهويتها المشتركة.
الأمة والهوية والثقافة
الأمة أعمق من فكرة القومية التي قد تعبر عن جماعة متخيلة، وهي نقطة التفت لها بندكت أندرسن (1936- 2015) في كتابه “الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها”، الصادر في عام 1983، والذي يكشف من واقع دراسته لإندونيسيا ودول أخرى في آسيا، إذ يلاحظ استنادا إلى الأدبيات النظرية أن الأمة والدولة سابقتان على الفكرة القومية الحديثة نسبيا، ولاحظ أن هذه الفكرة القومية التي باتت أساسا لفكرة الدولة فيما بعد الحرب العالمية الأولى ورفع شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها وتفكك الإمبراطوريات الثلاث الكبيرة: النمساوية-المجرية والعثمانية والروسية، هي فكرة متخيلة سمحت بجمع شعوب من الشتات، أو تسببت في أزمات في الدول والمجتمعات متعددة القوميات أو في توترات بالنسبة للقوميات المجزأة، وهي مشكلات لا تعاني منها الأمم، ذلك أن الأمم تستند بالأساس إلى حقائق تاريخية ساهمت في صياغتها وتبلورها، وتوفر أساسًا للهوية يعلو حتى الهوية القومية ويتناغم مع الهوية الإنسانية الجامعة للأمم والشعوب.
فالأمة قائمة كحقيقة وفكرة وتعمل في التاريخ باستقلالية عن القوميات والدول، وتوفر انتماء للجماعات العرقية والقومية، لا يصادر ثقافة هذه الجماعات ويمحو هويتها، وهي تختلف في ذلك عن القومية التي تقوم على فكرة صهر الجماعات في بوتقتها ولا تقبل التعددية، على النحو الذي أظهرته القومية الطورانية التي شكلت الركيزة الثانية لقيام تركيا الحديثة العلمانية، عداء للجماعات القومية والاثنية الأخرى، مثل الأكراد والأرمن وغيرهم من جماعات.
ويفسر بدراوي انطلاقا من مفهوم الأمة الاستمرار التاريخي الطويل لدول مثل مصر والصين وإيران، رغم تبدل نظام الحكم ورغم موجات الهجرة المتعاقبة عليها. وتلعب عوامل مثل اللغة والذاكرة التاريخية المشتركة والثقافة دورا أساسيا في ترسيخ الأمم عبر التاريخ.
لكن أيضا هناك عوامل أخرى مهمة، في تشكل الأمم في مقدمتها الهوية المشتركة والجامعة والتي تعلو المستويات الأخرى للهوية مثل الانتماء للطائفة أو القبيلة، وكذلك تحقق المساواة والعدالة، لكن الأهم من بين هذه العوامل القدرة على التكيف، وهو عامل تزداد أهميته في هذه اللحظة التي تشهد تطورات متسارعة نتيجة للعولمة والثورة العلمية والتكنولوجيا التي حولت العالم إلى ما يشبه القرية الصغيرة.
ففقدان القدرة على التكيف؛ أدى إلى تراجع الإمبراطوريات التي لم تستوعب الثورة الصناعية، وقد يهدد قدرة الدولة على البقاء أمام ثورات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية،على النحو الذي يشير إليه المقال، كأحد العوامل التي تهدد بقاء الدولة في المستقبل.
رسائل ومحاذير
تضمن المقال عدد من الرسائل التي تحتاج إلى مزيد من البلورة كي تصل إلى آذان تنصت ولا تكتفي بالسمع، وعيون تبصر ولا تقف عند حدود المشاهدة والفرجة وعقول تبدع ولا تقف عند حدود التفكير.
وهي رسائل وثيقة الصلة بشروط الدولة الحديثة التي تستند إلى أساس مدني يمكنها من التفاعل السليم والمتصالح مع المجتمع، والتي تنشغل بالمستقبل بأكثر من انشغالها بالماضي وبقدرتها على اقناع مواطنيها بأن مستقبلهم المشترك أكبر من أي اختلافات فيما بينهم، وتستنهض هممهم من خلال ربط مصالحهم المعيشية والحياتية بنهضة الأمة وازدهارها.
إن قيمة هذا المقال تكمن في أنه استفز تلك الطمأنينة الزائفة بأن ما لدينا هو الصورة النهائية أو أبدع ما يكون، وأن هذه الصورة مهددة بفعل الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تعريف القوة، وأيضا بسبب التغير المناخي وما يرتبط به من ندرة للمياه وما يؤدي إليه من هجرات وتغيرات ديموغرافية، قد تعيد رسم خرائط النفوذ والحدود.
والسؤال الذي يختتم به المقال والمتعلق بالمناعة الحضارية والقدرة على التكيف مع عالم يتغير أسرع من أي وقت مضى، والمفهوم الذي يطرحه للهوية التي تمنح المجتمع تماسكه، وإعادة بناء مؤسسات الدولة كي تكون مؤهلة لضمان الاستقرار، ومنفتحة على الابتكار والإبداع الذي حدد ملامح مستقبلها، هي نقاط جديرة بأن تكون موضوعا لحوار وطني جاد لا ينتظر دعوة من القيادة، وإنما يبادر إليه أفراد من النخب المتعلمة والمثقفة المهمومة والمشغولة بجيل المستقبل.
ويمكن التغلب على التحديات والصعاب والأزمات من خلال الإيمان بأن السياسة هي مشروع للتغيير من أجل المستقبل وأن الثورة ليست في الميادين فقط وإنما في الفكر الذي يعيد تشكيل الواقع لصالح القطاعات العريضة في المجتمع بديلا للتصورات الخاصة بإعادة التشكيل لصالح القلة المترفة على حساب الأغلبية المرهقة والمثقلة بالأعباء والمقيدة بأغلال تهدر طاقتها ومواردها.
لقد آمن المصريون القدامى بأسطورة طائر الفينيق التي تبنتها شعوب أخرى في المنطقة، والتي تتحدث عن طائر أسطوري يحرق نفسه ثم يعيد تشكيلها من الرماد لينهض من جديد، فمهما كانت المعاناة ومهما كان الألم في ظل نخب وأفكار تعاند قيمة الحرية وتهدر قيمة الإنسان وكرامته، والتي تدفع هذا الطائر إلى الاحتراق، فإنه قادر على استجماع رماده وتشكيل ذاته والتحليق من جديد.
فهذا الشعب الذي شكل مجرى النهر بإرادته وكده والعمل المشترك الأمر الذي أورثه قدرة كبيرة على الصبر والتحمل قادر على أن يرسم مسارا لمستقبله، وقادر على ابتكار أشكال للتنظيم الذاتي في لحظات التحدي والانهيار، والخبرة القريبة اثبتت ذلك مرتين في العقد المنصرم.



















