لم تعد أزمة المشهد الثقافي في شمال سيناء مسألة هامشية أو عابرة، بل أصبحت قضية جوهرية تمس ضمير الثقافة المصرية.
فما يجري داخل بعض المؤسسات الأدبية، وعلى رأسها نادي أدب العريش، يثير أسئلة حقيقية حول العدالة، والشفافية، ودور الهيئات الثقافية الرسمية في دعم المبدعين لا في محاربتهم.
لقد تحول النادي، الذي تأسس ليكون فضاءً للإبداع والتنوير، إلى كيان بيروقراطي مغلق تحكمه العلاقات الشخصية والمصالح المشتركة، وأصبح صوت المبدع الحقيقي فيه غريبًا وسط ضجيج المجاملات والمنافع.
إقصاء ممنهج وتهميش متعمد
تتكرّر في السنوات الأخيرة ظاهرة إقصاء المبدعين الحقيقيين في العريش وسائر شمال سيناء، في مقابل تمكين فئة محدودة من المنتفعين الذين يسيطرون على مفاصل القرار الثقافي.
يُمنَح بعضهم التعيين بموجب توصيات خاصة من مدير مديرية الثقافة، لا عبر انتخابات نزيهة أو معايير موضوعية، ويُعاد تدوير الأسماء نفسها في المناصب الأدبية، وكأننا أمام لعبة كراسي موسيقية مغلقة على أصحاب الولاء.
بل يتعدّى الأمر إلى التلاعب بالقانون واللوائح بما يخدم المصالح الشخصية:
- طباعة كتب على نفقة وزارة الثقافة دون معايير واضحة للجدارة.
- الحصول على عضويات أمانة مؤتمر أدباء مصر وأمانة المؤتمر الإقليمي للقناة وسيناء لأعوام متتالية.
- اختيار من يشاؤون كشخصيات عامة في المؤتمرات، حتى وإن لم تكن لهم صلة فاعلة بالحركة الثقافية في المحافظة.
أحد الأمثلة الفاضحة ما حدث في مؤتمر أدباء إقليم القناة وسيناء الثقافي ببورسعيد (28 أبريل 2025م)، حين جرى اختيار عضو يعيش بالقاهرة — ترك العريش منذ سنوات — كـ”شخصية عامة”، رغم وجود من هم أكفأ وأكثر تأثيرًا منه داخل الساحة السيناوية ، والطامة الكبرى أنه لم يحضر فعاليات المؤتمر وأضاع فرصة مشاركة مبدع حقيقي يمثل شمال سيناء تمثيلاً مشرفاً.
النتيجة.. تآكل الثقة وانسحاب المبدعين
نتيجة هذا المناخ المسموم، اعتزل المبدعون الحقيقيون العمل داخل نادي الأدب، وأغلقوا على أنفسهم دوائرهم الصغيرة من الكتابة والإبداع الفردي، بعدما أدركوا أن المنابر الرسمية صارت مسيّسة وموجّهة.
تقدّم بعضهم باستقالات احتجاجية، كما فعل سكرتير نادي الأدب بالعريش حين رفض قرارات رئيس النادي المنفردة، لكن استقالته رُفضت لا رغبة في إصلاح الخلل، بل خشية من انحلال المجلس واستبداله.
أصبح النادي شبه مغلق إلا أمام المنتفعين، تُرفع منه تقارير شكلية إلى الإقليم والهيئة العامة لقصور الثقافة تُفيد بأن “كل شيء تمام”، بينما الحقيقة أن النادي يعيش مواتًا أدبيًا وبنيويًا حقيقيًا.
نادي أدب نخل.. الحضور الغائب
في السياق نفسه، يبرز نادي أدب نخل نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ”الثقافة الغائبة”.
فالنادي موجود بالاسم فقط داخل قصر ثقافة نخل، دون أي نشاط فعلي أو تواصل مع النادي المركزي بالعريش، وكأن هناك قرارًا ضمنيًا بتجميد النشاط الثقافي في وسط سيناء.
ولا أحد من المسؤولين، وعلى رأسهم مدير عام ثقافة شمال سيناء، يبالي بما يُنشر من مقالات نقدية أو نداءات استغاثة من الأدباء والإعلاميين حول هذا التجاهل المزمن.
أسماء على الهامش.. مبدعون بلا منابر
المؤلم في المشهد أن الأسماء التي جرى تهميشها ليست هامشية على الإطلاق، بل هي من أعمدة الإبداع في سيناء ومصر عمومًا.
منهم الروائي عبدالله عطية السلايمة، والشاعر حسونة فتحي، والناقد حسن غريب أحمد، والشاعر محمود فخر الدين، والقاص يحيى فراج، والشاعر يحيى عطية، والشاعر سالم مصطفى سالم، ومحمد جرير، وغيرهم كثير ممن أسهموا بإبداعاتهم في إثراء الأدب السيناوي والمصري، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج دائرة الضوء لأنهم رفضوا أن يكونوا جزءًا من منظومة الولاءات.
لقد صار الإبداع الحر في نظر البعض خطرًا على مصالحهم، وصار المبدع المستقل مصدر قلقٍ لا اعتزازٍ، لذلك جرى إسكاته بالتجاهل لا بالمواجهة.
البنية الثقافية المختلة.. من الشرعية إلى الشِلليّة
تنبع الأزمة من خلل بنيوي في إدارة الثقافة الرسمية بشمال سيناء، حيث تتحول القواعد إلى استثناءات، والاستثناءات إلى أعراف، حتى يغدو القانون أداة في يد من يعرف كيف يحيكه لصالحه.
إننا أمام مشهد يختلط فيه الأدب بالإدارة، والموهبة بالمحاباة، والحق الشخصي بالقرار المؤسسي.
كل ذلك يحدث في ظل غياب آلية رقابية حقيقية من الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي تكتفي بتلقي التقارير الرسمية دون فحص الواقع على الأرض.
لمصلحة من يُهمَّش المبدعون؟
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لمصلحة من يتم تهميش المبدعين الحقيقيين في شمال سيناء؟
وأين تذهب ميزانية نادي أدب العريش خاصة وباقي نوادي شمال سيناء عامة ؟
هل لأنهم لا يُجيدون التطبيل ولا يُتقنون لغة المصالح؟
أم لأن وجودهم يهدد استقرار شبكة المصالح الضيقة التي تُحكم بها الأندية الأدبية في المحافظات؟
مهما يكن الجواب، فإن النتيجة واحدة: تدمير البنية الثقافية المحلية، وتفريغ المؤسسات من معناها الحقيقي.
ثقافة بلا فعل.. تقارير بلا واقع
تُرسل كل عام عشرات التقارير التي تتحدث عن “نجاحات” نادي الأدب، وعن الندوات والمؤتمرات والأنشطة، لكنها في الغالب فعاليات شكلية تُنفَّذ على الورق أكثر مما تُمارس في الواقع.
وفي المقابل، يتجاهل هؤلاء الأصوات التي تكتب وتنشر وتبدع خارج الإطار الرسمي، وكأن الإبداع لا يُعترف به إلا إذا حمل ختم المؤسسة.
إنها ثقافة استهلاكية بيروقراطية تفقد معناها كلما فقدت الصلة بالإنسان والمجتمع.
نقد بنائي.. نحو إصلاح المشهد الأدبي
ليس الهدف من هذا المقال التشهير أو الهجوم، بل الدعوة إلى الإصلاح والمراجعة.
فالمشهد الثقافي في شمال سيناء لا يمكن أن ينهض إلا إذا أعيدت الأمور إلى نصابها، عبر:
- تفعيل مبدأ الشفافية في اختيار رؤساء وأعضاء مجالس إدارة الأندية الأدبية.
- وضع معايير واضحة للطباعة والدعم على نفقة وزارة الثقافة، تضمن العدالة وتكافؤ الفرص.
- تشكيل لجان تقييم محايدة تضم نقادًا وأدباء من خارج المحافظة، بعيدًا عن العلاقات الشخصية والنفوذ المحلي.
- فتح الأندية أمام جميع المبدعين دون تمييز أو وصاية.
- تفعيل الرقابة المؤسسية من الهيئة العامة لقصور الثقافة على فروعها في الأقاليم، ومراجعة تقارير النشاط بجدية.
توصيات موجهة إلى وزارة الثقافة وهيئة قصور الثقافة:
- تشكيل لجنة تحقيق ثقافية مستقلة لفحص أوضاع نادي أدب العريش ونوادي أدب شمال سيناء، ومراجعة الملفات الإدارية والمالية والأدبية منذ عام 2020 حتى الآن.
- وقف العمل بقرارات التعيين المباشر لرؤساء الأندية الأدبية وأعضاء مجلس الإدارة من مدير عام الفرع واعتماد نظام انتخابي شفاف بإشراف لجان من خارج المحافظة.
- إعادة هيكلة المؤتمرات الأدبية الإقليمية بحيث تُمثّل المبدعين الفعليين لا الأسماء المتكررة ومدعين وانصاف وادعياء الأدب .
- إطلاق منصة تفاعلية رقمية للأندية الأدبية تتيح للمبدعين عرض أعمالهم وجدول الأنشطة بشفافية أمام الجميع.
- إعادة إحياء نادي أدب نخل عبر دعم مالي وفني مباشر من الإقليم والوزارة، ومتابعة جادة حقيقية ، ليعود فاعلًا في الحياة الثقافية بوسط سيناء.
- إصدار تقرير سنوي وطني عن العدالة الثقافية في الأقليم، لقياس مدى تمثيل المبدعين الحقيقيين داخل المؤسسات الرسمية.
في نهاية مقالي أقول: الأمل في استعادة الدور.
ستظل شمال سيناء — رغم كل التحديات — أرضًا ولّادة بالشعر والرواية والنقد والإبداع.
لكن هذا الثراء لن يُثمر ما لم تُستعاد العدالة الثقافية وتُرفع الوصاية عن المبدعين.
إن الثقافة التي تُدار بالشللية تموت، أما الثقافة التي تُدار بالمحبة والاحترام والمهنية فتبقى وتثمر.
لقد آن الأوان أن يعود نادي أدب العريش إلى أصله: بيتًا للإبداع لا بيتًا للمصالح، وأن تُسمع أصوات الأدباء الذين لم يصنعهم منصب ولا دعم رسمي، بل صنعتهم أقلامهم وإيمانهم الصادق بالكلمة.




















