كتبت منة عثمان:
المحكمة الجنائية الدولية (ICC) هي هيئة قضائية تهدف إلى محاكمة الأفراد الذين يرتكبون الجرائم الكبرى، مثل جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وتأسست المحكمة في عام 2002 بناءً على “نظام روما الأساسي”.
المعاهدة التي تنظم عملها، تتمثل المهمة الأساسية للمحكمة الجنائية الدولية في تحقيق العدالة، خاصة في القضايا التي تتعلق بالجرائم الخطيرة التي تهدد الأمن الدولي، مثل الجرائم المرتكبة في الحروب والنزاعات المسلحة.
اتفاقية “نظام روما الأساسي”
رغم الدور الهام الذي تلعبه المحكمة، فإن قدرتها على تطبيق قراراتها تتأثر بشكل كبير بعدم توقيع العديد من الدول الكبرى على اتفاقية “نظام روما الأساسي”.

دول تحمي نتنياهو من اعتقال المحكمة الجنائية الدولية
على الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية أنشئت بموجب اتفاقية روما في عام 1998 لضمان محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية الكبرى كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فإن بعض الدول الكبرى لم توقع أو لم تصدق على الاتفاقية.
فيما يلي نبذة عن أبرز هذه الدول وأسباب موقفها:
الولايات المتحدة الأمريكية، رغم توقيعها على الاتفاقية في عام 2000، سحبت توقيعها لاحقًا ورفضت التصديق عليها. تعلل الولايات المتحدة موقفها بالخشية من استهداف جنودها ومسؤوليها السياسيين في محاكمات دولية قد تكون مسيسة، معتبرة أن ذلك قد يقيد سيادتها الوطنية.
روسيا انضمت إلى الموقعين على الاتفاقية في البداية لكنها لم تصدق عليها مطلقًا.
وفي عام 2016، سحبت توقيعها ردًا على انتقادات المحكمة لدورها في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، معتبرة أن المحكمة تعمل بدوافع سياسية.
الصين، من جانبها، رفضت التوقيع على الاتفاقية منذ البداية، وترى الصين أن المحكمة قد تُستخدم كأداة سياسية للتدخل في شؤون الدول، مما يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية الذي تدافع عنه بقوة في سياستها الخارجية.
أما إسرائيل، فقد وقعت على الاتفاقية عام 2000 لكنها لم تصدق عليها لاحقًا.
وتخشى إسرائيل من استغلال المحكمة للتحقيق في سياساتها تجاه الفلسطينيين، بما في ذلك بناء المستوطنات، وهي قضية مثيرة للجدل على الساحة الدولية.
غياب هذه الدول الكبرى عن المحكمة يضعف قدرتها على تحقيق العدالة الشاملة ويثير تساؤلات حول فعاليتها في التصدي للجرائم الدولية، خصوصًا مع استمرار الخلافات السياسية بين القوى العظمى.
فإن المحكمة الجنائية الدولية تفتقر إلى القوة التنفيذية المباشرة لتنفيذ قراراتها في بعض الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقيادات دول مثل إسرائيل.
الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة
جدير بالذكر أنه في مارس 2021، قررت المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق رسمي في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويشمل التحقيق الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل وحركة حماس على حد سواء، حيث ركزت المحكمة على السياسات الإسرائيلية التي تتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والتي تُعد انتهاكًا للقانون الدولي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الهجمات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، التي تسببت في مقتل العديد من المدنيين الفلسطينيين، قد تصنف أيضًا كجرائم حرب وفقًا للقانون الدولي.
جرائم نتنياهو وقرار المحكمة الجنائية الدولية
فيما يتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فهو متهم بعدد من الجرائم التي يمكن أن تندرج ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مثل ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك سياسات الاستيطان وعمليات الهجوم على المدنيين في غزة، وقد قررت المحكمة الجنائية الدولية إصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في عام 2023، حيث اُتهم كلاهما بالإشراف على جرائم حرب خلال النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في غزة.

تتضمن الجرائم ضد نتنياهو وغالانت، التي تم تحديدها في أوامر الاعتقال، القتل، والاضطهاد، واستخدام التجويع كسلاح حرب، وغيرها من الأعمال اللاإنسانية.
وأكد بيان المحكمة الجنائية الدولية أن هذه الجرائم تشمل الهجمات المستهدفة على السكان المدنيين في غزة، ما يعزز موقف المحكمة بأن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن القيادات الإسرائيلية قد ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان.
كما أكدت المحكمة أن هذا التحقيق يشمل أيضًا الانتهاكات المرتكبة من قبل حركة حماس في ذات السياق.

من جانبها، تتبنى إسرائيل مواقف معارضة بشكل مستمر تجاه المحكمة الجنائية الدولية، حيث رفضت التصديق على نظام روما الأساسي.
هذا الموقف يعني أن نتنياهو وغالانت، طالما هما في إسرائيل أو في دول غير موقعة على الاتفاقية، يمكنهما تجنب الاعتقال.
كما أن غياب تعاون بعض الدول الكبرى مع المحكمة يعزز من حماية إسرائيل، حيث أن العديد من الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة، لا تدعم المحكمة أو تتعاون معها بشكل كامل، وهو ما يعقد تنفيذ أحكام المحكمة.

ردود الفعل على إصدار أوامر الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت من قبل المحكمة الجنائية الدولية
في سياق ردود الفعل على إصدار المحكمة الجنائية الدولية لمذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، عبر العديد من المسؤولين والمنظمات عن تأييدهم لهذا القرار.
وزير خارجية أيرلندا أيد المحكمة الجنائية الدولية بشدة ودعا إلى احترام استقلاليتها، في حين أعرب الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي عن ترحيبه بالقرار مطالبًا بمحاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، كما رحب رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده بقرار المحكمة.
من جهة أخرى، رحبت حكومة جنوب إفريقيا بهذا القرار واعتبرته خطوة نحو العدالة في فلسطين، في حين اعتبر العضو في مجلس العموم البريطاني، جيريمي كوربن، أن القرار تأخر كثيرًا وأن على بريطانيا دعم القرار بشكل حاسم، وبالنسبة لحركة حماس، فقد أصدرت بيانًا رحبت فيه بإصدار مذكرات الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت ووجهت دعوة إلى الدول للتعاون مع المحكمة لضمان محاسبة مجرمي الحرب.
وفي المقابل، أشارت عدد من الصحف الإسرائيلية إلى أن هذه الخطوة تمثل ضربة سياسية كبرى بالنسبة لإسرائيل، حيث تعني أن نتنياهو وغالانت لن يتمكنوا من زيارة أكثر من 120 دولة موقعة على معاهدة روما دون أن يواجهوا خطر الاعتقال.
وذكر وزير الخارجية الهولندي أن بلاده ستلتزم بتعليمات المحكمة الجنائية الدولية، وأنه في حال وطأت قدما نتنياهو أو غالانت الأراضي الهولندية فسيتم اعتقالهما فورًا.

في ختام الأمر، يبقى السؤال حول كيفية تأثير هذه المذكرات على السياسة الدولية والعلاقات بين الدول الموقعة وغير الموقعة على نظام روما، ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه المحكمة في تنفيذ قراراتها، فإنها تظل تمثل أملًا للضحايا وللمجتمع الدولي في تحقيق العدالة والمحاسبة.






















