في السنوات الأخيرة، انتشرت شركات التمويل متناهي الصغر تحت شعار “دعم المشروعات” و”تمكين الأسر”، لكن خلف هذه الشعارات اللامعة، ظهرت قصص مرعبة لأسر دخلت دائرة القروض الصغيرة فخرجت منها محطمة نفسيًا واجتماعيًا وماديًا.
قروض تبدأ بمبلغ بسيط، ثم تتحول إلى سلسلة لا تنتهي من الديون، والتهديدات، وضغط التحصيل من “مافيا القروض المقننة”.
الفكرة في ظاهرها تبدو إنسانية: امرأة تحتاج رأس مال صغير لمشروع منزلي، أو رب أسرة يريد تجاوز أزمة مؤقتة، فتمنحه شركة التمويل قرضًا سريعًا بإجراءات سهلة.
لكن الواقع كثيرًا ما يكون مختلفًا، فبمجرد التعثر في قسط أو اثنين، تبدأ ماكينة الضغط: مكالمات لا تتوقف، تهديدات مبطنة وصريحة، إحراج أمام الجيران والأقارب، تحميل العميل فوائد وغرامات متزايدة، دفعه لاقتراض جديد لسداد القديم.
وهكذا يدخل المواطن البسيط في دوامة “الاستدانة من أجل الاستدانة”، حتى يصبح أسيرًا للقرض بدل أن يكون مستفيدًا منه.
وللأسف النساء الأكثر استهدافًا
الكارثة الأكبر أن كثيرًا من هذه القروض تُسوَّق للنساء، خصوصًا ربات البيوت والبسطاء في المناطق الشعبية والريفية، يتم إقناع المرأة بأنها “فرصة لتحسين المعيشة”، بينما هي في الحقيقة تتحمل مسؤولية قانونية ومالية قد تفوق قدرتها بالكامل.
وفي حالات كثيرة: تتورط الزوجة في الدين دون علم كافٍ بالتفاصيل، تنشأ خلافات أسرية بسبب الأقساط، يضطر الزوج للاستدانة لتغطية التعثر، تتفكك الأسرة تحت ضغط المطالبات والتهديدات، بعض البيوت لم تخرب بسبب الفقر نفسه، بل بسبب محاولة الهروب منه عبر قروض تحولت إلى كابوس.
المشكلة ليست في فكرة التمويل بحد ذاتها، بل في طريقة التطبيق لدى بعض الشركات، فهناك فرق بين مؤسسة تساعد الناس على الإنتاج الحقيقي، وبين جهة ترى المواطن المتعثر “مصدر أرباح”.
كلما زاد التعثر: زادت الغرامات، زادت الفوائد، زادت فرص إعادة التمويل، وزادت أرباح الشركات، أي أن الأزمة الإنسانية لبعض الأسر قد تتحول ببساطة إلى “بيزنس مربح”.
للأسف الشديد ضحايا هذه القروض لا يخسرون المال فقط، بل يخسرون: الاستقرار النفسي، الشعور بالأمان، العلاقات الأسرية، السمعة الاجتماعية، هناك من يعيش في خوف دائم من الهاتف، أو من زيارة مندوب التحصيل، أو من الفضيحة أمام الناس.
وهناك من دخل في اكتئاب أو اضطرابات نفسية بسبب ضغط الديون المستمر.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل توجد رقابة كافية على أساليب الإقراض والتحصيل؟ وهل يتم التأكد فعلًا من قدرة العميل على السداد قبل منحه القرض؟
وهل يحصل المواطن البسيط على شرح واضح لحجم الفوائد والغرامات والتبعات القانونية؟، الشركات تستغل ضعف الثقافة المالية لدى الناس، وحاجتهم الملحة للمال، لتحقيق أرباح ضخمة تحت غطاء “التمويل التنموي”.
التمويل الحقيقي لا يهدم البيوت؛ التمويل الحقيقي يجب ان يساعد الناس على الإنتاج، يراعي القدرة على السداد، يوفر حماية قانونية وإنسانية للعميل، يمنع الإغراق في الديون، يراقب أساليب التحصيل بصرامة.
أما حين يتحول القرض إلى أداة ضغط واستنزاف، فالمجتمع لا يكون أمام “تنمية”، بل أمام قنبلة اجتماعية تهدد استقرار الأسر الفقيرة.
ما يحدث اليوم يدق ناقوس الخطر، فخلف الأرقام والإعلانات البراقة، هناك بيوت تُهدم بصمت، وأسر تعيش تحت حصار الأقساط والخوف، ولذلك أصبح من الضروري فتح نقاش حقيقي حول دور بعض شركات التمويل متناهي الصغر، وحدود الربح، وحقوق العملاء، حتى لا تتحول الحاجة إلى المال إلى باب دائم للذل والانهيار الأسري.

















