في تاريخ السينما المصرية أسماء لا تُقاس بعدد الأفلام التي قدمتها، وإنما بقدرة كل فيلم على أن يترك أثرًا في وجدان المشاهد. ويأتي المخرج الكبير علي بدرخان في مقدمة هؤلاء، فهو صاحب تجربة سينمائية مميزة، لم تكن غزيرة من حيث الكم، لكنها كانت شديدة الحضور والتأثير، حتى تحولت أفلامه إلى علامات راسخة في ذاكرة السينما المصرية.
نشأ بدرخان داخل بيت سينمائي بامتياز، فهو ابن المخرج الكبير الراحل أحمد بدرخان، أحد رواد السينما المصرية. ورغم أن السينما كانت حاضرة بقوة في حياته منذ طفولته، فإنه لم يدخل عالم الإخراج من باب الشهرة العائلية، وإنما شق طريقه خطوة بخطوة، فالتحق بالمعهد العالي للسينما وتخرج عام 1967، ثم حصل على منحة للتدريب في استوديوهات مدينة السينما الإيطالية لمدة عامين.
وقبل أن يقف خلف الكاميرا مخرجًا، خاض بدرخان تجربة العمل مساعدًا لعدد من كبار المخرجين، فعمل مع فطين عبد الوهاب في «أرض النفاق»، ومع يوسف شاهين في «الاختيار» و«العصفور»، وهي مدرسة سينمائية مهمة ساعدته في تكوين رؤيته الخاصة وفهم تفاصيل الصناعة من داخلها.
ثم جاءت البداية الحقيقية عام 1973 من خلال فيلم «الحب الذي كان»، لتبدأ رحلة مخرج لم يكن يبحث عن مجرد النجاح الجماهيري، وإنما عن سينما تحمل قضية وتناقش الإنسان والمجتمع.
«الكرنك».. حين أصبحت السينما شهادة على عصر
ربما كان فيلم «الكرنك» واحدًا من أهم المحطات في مشوار علي بدرخان. الفيلم المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، وبطولة سعاد حسني ونور الشريف وكمال الشناوي، لم يكن مجرد عمل درامي ناجح، وإنما قراءة سينمائية لمرحلة سياسية شديدة الحساسية في تاريخ مصر. وقد حصد بدرخان عن الفيلم عددًا من الجوائز، من بينها جائزة الإخراج من وزارة الثقافة وجوائز من جمعية الفيلم.
وبعدها توالت التجارب التي أكدت أن الرجل يمتلك مشروعًا سينمائيًا خاصًا، فجاء «شفيقة ومتولي» عام 1978، مستندًا إلى حكاية شعبية مصرية، لكنه قدمها برؤية بصرية ودرامية جعلت من الحكاية مرآة للصراع الاجتماعي والإنساني. ثم جاء «أهل القمة» عام 1981، عن قصة نجيب محفوظ، ليقدم بدرخان واحدًا من أكثر أفلامه نضجًا في قراءة الطبقات الاجتماعية وتحولات المجتمع.
ولم يتوقف عند ذلك، فقدم «الجوع» عام 1986، و«الراعي والنساء» عام 1991، ثم «الرجل الثالث» عام 1995 و«نزوة» عام 1996، وهي أعمال كشفت عن اهتمامه بالشخصية المصرية، وعلاقتها بالسلطة والمجتمع والطبقة والحرمان والرغبة.
سعاد حسني.. قصة حب وفن
ويرتبط اسم علي بدرخان كذلك بواحدة من أشهر قصص الحب في الوسط الفني، وهي علاقته بالسندريلا سعاد حسني. بدأت العلاقة الفنية بينهما مبكرًا، ثم تحولت إلى زواج استمر 11 عامًا قبل أن ينفصلا عام 1980.
لكن اللافت أن الانفصال الشخصي لم ينهِ التعاون الفني بينهما، فقد عادا للعمل معًا في «الراعي والنساء»، وهو ما يؤكد أن العلاقة الفنية بين المخرج والممثلة تجاوزت حدود الحياة الخاصة، لتظل السينما هي المساحة التي تجمعهما.
سينما الإنسان والمكان
من أهم ملامح مدرسة علي بدرخان اهتمامه بالتفاصيل البصرية والمكان الحقيقي، خصوصًا الحارة والشارع والشخصية الشعبية. فقد تعامل مع المكان باعتباره جزءًا من الحكاية وليس مجرد خلفية للأحداث، وهو ما منح أفلامه قدرًا كبيرًا من الصدق والواقعية.
ولهذا تبدو أفلامه، رغم مرور سنوات طويلة على إنتاجها، قادرة على الاحتفاظ بقدرتها على جذب المشاهد، لأنها لم تعتمد على قضية عابرة، وإنما اقتربت من الإنسان ومشكلاته وتحولاته.
مخرج قليل الأفلام.. كثير الأثر
قد تكون حصيلة علي بدرخان الإخراجية محدودة مقارنة بمخرجين آخرين، لكن هذه القلة تحولت إلى ميزة؛ لأنه كان شديد الاختيار فيما يقدمه، فدخلت أعمال مثل «الكرنك» و«أهل القمة» ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وفق استفتاء النقاد عام 1996.
وحصل بدرخان على العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2004، كما حصل على جائزة السينما ضمن جوائز معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2021.
ولم يكتفِ بخبرته خلف الكاميرا، بل اهتم أيضًا بتعليم الأجيال الجديدة، وأنشأ أكاديمية سينمائية لنقل خبراته في مجال الإخراج إلى الطلاب الراغبين في دراسة الفن السينمائي.
علي بدرخان ليس مجرد مخرج صنع أفلامًا ناجحة، وإنما واحد من أصحاب البصمة الذين تركوا وراءهم لغة سينمائية خاصة. قليل في عدد الأعمال، لكنه كبير في تأثيرها، اختار أن يضع الإنسان المصري في قلب الصورة، وأن يجعل من الكاميرا أداة للبحث والكشف، لا مجرد وسيلة للحكي.
ولهذا، عندما تُذكر أسماء المخرجين الذين صنعوا جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، سيظل اسم علي بدرخان حاضرًا؛ لأن بعض الأفلام تنتهي مع آخر مشهد، بينما أفلام أخرى تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن تنتهي من الشاشة.






















