يوافق اليوم الإثنين 8 يونيو ذكرى رحيل رائد المسرح العربي الفيلسوف الضاحك نجيب الريحاني الفنان الذي ولد في قلب القاهرة بحي باب الشعرية ورحل تاركًا خلفه إرثًا فنيًا خالدًا في المسرح والسينما كممثل ومؤلف ومخرج عبقري عرف كيف يمزج الكوميديا السوداء والابتسامة الخفيفة بعمق الرسائل الاجتماعية والإنسانية.
من باب الشعرية إلى فرقة جورج أبيض: تشكيل الهوية
أبصر نجيب الريحاني النور في 21 يناير عام 1889 لأب من أصل عراقي وأم مصرية، هذا المزيج الفريد أسهم في بناء شخصيته الثقافية وفهمه العميق للبيئة المصرية، انطلق في شغفه الفني مبكرًا عندما انضم إلى فرقة “جورج أبيض” مقدمًا معها أدوارًا لفتت إليه الأنظار وأسست لأسلوب كوميدي واقعي جديد ينبثق من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط.
أصعب 48 ساعة.. كيف يولد الإبداع من رحم المعاناة؟
لم تكن دروب الريحاني مفروشة بالورود بل بدأت رحلته بمفارقات درامية قاسية فمع رحيل والده وهو في سن السادسة عشرة وجد نفسه فجأة المسؤول الأول عن إعالة أسرته تخرج في مدرسة الحياة بعد أن تنقل بين وظائف روتينية كالبنك الزراعي وشركة السكر غير أن نداء الفن الكامن في داخله كان دائمًا السبب وراء فصله من العمل.
ويروي في مذكراته الشخصية عن ليلتين هما الأصعب في حياته على الإطلاق حين طرد من وظيفته وأوصدت والدته الباب في وجهه رفضا لمسيرته ليجد نفسه هائمًا في الشوارع بلا مأوى أو طعام. هذه التجربة المريرة لم تكسره بل كانت الوقود الذي صقل موهبته وجعله يشعر بعمق بمعاناة الطبقات الكادحة ويجسدها بصدق لا مثيل له.
ولادة الأيقونة “كشكش بيه” والرد على اتهامات الكسل
عبر المحطات الصعبة شارك الريحاني مع فرقة “أحمد الشامي” الجوالة براتب زهيد للغاية قبل أن يتمكن من تأسيس “فرقة الكوميدي العربي” وفي عام 1916 ابتكر شخصيته الأيقونية الشهيرة “كشكش بيه” (عمدة كفر البلاص) والتي استلهم ملامحها واسمها من عمدة حقيقي يدعى “أنور الكشكي” التقى به سابقًا في مدينة المنصورة.
حققت الشخصية نجاحًا مدويًا ورغم أن البعض اتهمه بالكسل الفني لتمسكه بعرض مسرحية واحدة لفترات طويلة كان رده حاسمًا ويدل على احترامه لجمهوره قائلاً:
“خير لي أن أواجه الجمهور بمسرحية كاملة من أن أقدم عشراً ضعيفة”.
المحطة العاطفية: بين بديعة مصابني ولوسي دي فرناي
تزوج الريحاني من الفنانة اللبنانية بديعة مصابني بعد أن التقاها في إحدى جولاته الفنية بلبنان واصطحبها معه إلى مصر وقد أسست بديعة مسرحها وملهى “كازينو بديعة” الشهير وفرقتها الخاصة ورغم قصة الحب والنجاح المشترك، انتهت حياتهما بالانفصال ليتزوج بعدها من الألمانية “لوسي دي فرناي”، والتي أنجب منها ابنته الوحيدة.
إرث سينمائي ومسرحي لا يموت
ترك الريحاني للمكتبة الفنية روائع مسرحية وسينمائية ففي المسرح كتب وأخرج “تعالي لي يا بطة” عام 1917 وتوالت إبداعاته مثل “حكم قراقوش”، “30 يوم في السجن”، و”حسن ومرقص وكوهين”.
أما في السينما فرغم تعثره في البداية بأعمال لم ترق لطموحه فإنه انطلق بقوة عام 1937 بفيلم “سلامة في خير” تلاه الفيلم الكلاسيكي “لعبة الست” بشخصية “حسن أبو طبق” الشهيرة، وفيلم “أبو حلموس”.
نهاية على خشبة المسرح وتقدير تاريخي
كان نجيب الريحاني يرى المسرح محرابًا مقدسًا ورسالة سامية وعندما اشتد عليه المرض ونصحه الأطباء بالخلود إلى الراحة رفض بشدة مرددًا كلمته التاريخية: “خير لي أن أقضي نحيبي فوق المسرح من أن أموت على فراشي”.
نال الريحاني خلال مسيرته إشادات عالمية من بينها ثناء السير البريطاني سايمور هيكس، كما حظي باحترام وتقدير قادة التنوير والسياسة في مصر مثل الزعيم سعد زغلول والاقتصادي طلعت حرب وفي 8 يونيو 1949 رحل العبقري عن عالمنا عن عمر يناهز 60 عامًا تاركًا خلفه مدرسة فنية في الكوميديا الاجتماعية لا تزال تلهم الأجيال حتى اليوم.
نرشج لك: أيمن محسب يتقدم بطلب إحاطة بشأن إطلالات الفنانين المثيرة للجدل في الفعاليات الفنية والحفلات العامة






















