لم يكن انفصال السودان عن مصر 1956 فقط نتيجة لخيبة الضباط الأحرار وقلة خبرتهم كما كنت أظن بسذاجة وأنا بعد طفل صغير، لكن عندما كبرت وبحثت وجدت ان ما زرع بين مصر والسودان قديم قدم الإحتلال الإنجليزي، وتحديدا في 1924 وما قبلها، وهو يشبه ما زرعه الانجليز بين الهند وباكستان.
ليست سنة 1924 مجرد ذكرى اغتيال أو استقالة وزارة، فهي السنة التي تحوّل فيها شعار «وحدة وادي النيل» من واقع عسكري وإداري مشترك إلى مشروع سياسي معلّق في الهواء على يد المحتل.
في شهور قليلة اجتمعت ثلاثة خطوط: انتفاضة سودانية وحدوية، مفاوضات مصرية-بريطانية فاشلة، ثم رصاصة في شارع قصر العيني أعطت لندن الذريعة التي كانت تنتظرها لإخراج الجيش المصري من السودان، بعد ذلك لم يعد الطريق إلى 1956 انفصالاً مفاجئاً، بل تتويجاً لخابور دقه الانجليز بين مصر والسودان بدأ يومها.
أحداث 1924 في السودان هي ثورة 1924، المعروفة أيضاً بثورة اللواء الأبيض، وهي أول حركة وطنية منظمة حديثة ضد الحكم الثنائي البريطاني-المصري، استمرت نحو ستة أشهر وانتهت بقمع عسكري شديد.
منذ اتفاقية الحكم الثنائي عام 1899 بقي السودان من الناحية القانونية تحت سيادة مشتركة مصرية-بريطانية، ومن الناحية الفعلية تحت يد الحاكم العام البريطاني.
بعد ثورة 1919 منحت بريطانيا مصر استقلالاً منقوصاً بتصريح 28 فبراير 1922، مع الإبقاء على أربع نقاط محفوظة، أبرزها أمن المواصلات الإمبراطورية، حماية الأجانب، الدفاع عن مصر، ووضع السودان.
أي أن لندن فصلت منذ ذلك الحين استقلال مصر عن مصير السودان، بينما تمسك الوفد وسعد زغلول بأن الاثنين قضية واحدة.
في السودان نشأ جيل جديد من الأفندية والضباط والطلاب، متأثر بثورة 1919 وبالصحافة المصرية. من جمعية الاتحاد السوداني خرجت جمعية اللواء الأبيض عام 1923-1924 بقيادة علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين وآخرين، رافعة علماً أبيضايتوسطه حوض النيل والعلم المصري، وتهتف لفؤاد ملك مصر والسودان ولسعد زغلول. لم تكن الحركة انفصالية سودانية بالمعنى اللاحق؛ كانت وحدوية مناهضة للإنجليز.
اعتُقل علي عبد اللطيف، وخرجت المظاهرات في الخرطوم وأم درمان وعطبرة. في نوفمبر رفضت وحدات سودانية ومصرية أمر الجلاء، واندلع صدام الكتيبة الحادية عشرة في الخرطوم مع قوات هدلستون.
انتهت الانتفاضة بالقمع، ثم بإنشاء قوة دفاع السودان عام 1925 تحت قيادة بريطانية خالصة. بذلك انهار الجسر العسكري الذي كان يربط البلدين يومياً.
عبد الخالق حسن، مأمور أم درمان المصري، توفي وفاة طبيعية قبل 19 يونيو 1924، لكن جنازته في أم درمان يوم 19 يونيو 1924 هي التي تحولت إلى مظاهرة كبيرة، لأن الرجل كان محبوباً ومعروفاً بنبل أخلاقه وحسن معاملته للأهالي السودانيين.
بعد انتهاء مراسم الدفن قام الشيخ عمر دفع الله (عضو جمعية اللواء الأبيض) بالهتاف ضد الإنجليز، فردد الحاضرون الهتاف وتحولت الجنازة إلى أول مظاهرة كبيرة في أحداث 1924.
هتف ثوار 1924 (خاصة جمعية اللواء الأبيض والمتظاهرون في الخرطوم وأم درمان والمدرسة الحربية) بحياة الملك فؤاد وسعد زغلول. كان شعار الحركة “وحدة وادي النيل” تحت التاج المصري. حمل المتظاهرون العلم المصري وصور الملك فؤاد وسعد زغلول، ورددوا هتافات مثل:
يحيا ملك مصر والسودان
يحيا سعد زغلول
تحيا مصر
يسقط الانجليز
ظهر ذلك بوضوح في مظاهرة 23 يونيو بالخرطوم، ومظاهرة طلاب المدرسة الحربية في 9 أغسطس (حيث حملوا العلم المصري وهتفوا بحياة الملك وسعد زغلول واستقلال وادي النيل)، وفي برقيات الجمعية إلى البرلمان المصري وحكومة سعد زغلول.
كانوا يرون في مصر حليفاً ضد بريطانيا ورمزاً للوحدة. هذا لا يعني أنهم كانوا مجرد تابعين لمصر؛ الحركة كانت سودانية في تنظيمها وقيادتها، لكن شعار الوحدة مع مصر كان مركزياً في خطابها آنذاك.
في سبتمبر-أكتوبر 1924 ذهب سعد إلى لندن ليفاوض رامزي ماكدونالد، طلب سعد جلاء الجيش البريطاني عن مصر، رفع رقابة المستشارين المالي والقضائي، حرية السياسة الخارجية، وألا تحتكر بريطانيا حماية القناة.
وفي السودان تمسك بأن البلاد جزء لا يتجزأ من مصر، وبجلاء البريطانيين عنها، ماكدونالد جعل الجلسة الأولى تقريباً عن السودان، واعتبر تصريحات سعد قد أغلقت باب المساومة، ثم تمسك بأمن القناة وبـ«التزام أخلاقي» تجاه السودانيين يمنع تسليم السودان للقاهرة. انقطعت المحادثات بعد ثلاث جلسات، وصدر الكتاب الأبيض البريطاني في 7 أكتوبر.
الفشل سبق الاغتيال بأسابيع، وكان كافياً ليُفهم في لندن والخرطوم أن حكومة الوفد لن توقّع على فصل السودان.
حماقة اغتيال لي ستاك
في 19 نوفمبر 1924 أُطلق النار على السير لي ستاك، سردار الجيش المصري وحاكم عام السودان، قرب وزارة الحربية في القاهرة، أُصيب في البطن واليد والقدم، وتوفي في 20 نوفمبر.
نفذ العملية مصريون من خلية سرية ارتبطت بشفيق منصور والأخوين عنايت، في سياق حملة اغتيالات سياسية بعد 1919، لا عملية سودانية ولا قراراً رسمياً من الوفد، أدان سعد الجريمة فوراً وعدّها إخلالاً بأمن البلاد. أُعدم سبعة من المتهمين عام 1925.
سياسياً كانت العملية حماقة استراتيجية بامتياز، لأسباب واضحة، أولا لأنها اختارت الرمز الخطأ في التوقيت الخطأ.
ستاك لم يكن مجرد ضابط بريطاني في القاهرة؛ كان مفتاح الملف السوداني. قتله جعل أي تمسك مصري بالسودان يبدو في لندن عملاً عدائياً لا مطلباً قانونياً.
ومنحت بريطانيا ذريعة جاهزة لخطة قديمة، تقارير بريطانية منذ لجنة ملنر كانت تتحدث عن تخفيف الوجود العسكري المصري في السودان، الحادث حوّل الرغبة إلى إنذار علني وتنفيذ فوري.
أسقطت الحكومة الوحيدة القادرة على المساومة من موقع شعبي. بدل أن يبقى الملف في يد وزارة منتخبة تتمسك بالوحدة، انتقل إلى وزارة زيور التي نفّذت المطالب تحت شعار «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».
وأضعفت الحلفاء السودانيين، الضباط والثوار الذين هتفوا لمصر وسعد فوجئوا بأن القاهرة، بعد الرصاصة، تُجبر على أمر الجلاء، ثم يُسحق تمرد من بقي في الثكنات.
لهذا طالما حذرت من مجالب الاغتيالات السياسية بداية من السير لي ستاك حتى أنور السادات في 1981.
في 22 نوفمبر سلّم أللنبي إنذاراً من سبعة مطالب: اعتذار، ملاحقة الجناة، منع المظاهرات، غرامة نصف مليون جنيه، سحب الضباط والوحدات المصرية من السودان خلال 24 ساعة، إطلاق يد حكومة السودان في ري الجزيرة بلا سقف الـ300 ألف فدان، وحماية مصالح الأجانب.
وافق سعد على الاعتذار والملاحقة والغرامة، ورفض بند السودان لأنه يناقض الدستور المصري ووضع الجيش. رد أللنبي باحتلال جمارك الإسكندرية، أي خنق مالي سيادي لمصر حرفيا. استقال سعد في 23-24 نوفمبر.
شكّل أحمد زيور الوزارة، ونُفّذ الجلاء أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر بأمر ملكي بعد رفض أولي من ضباط في الخرطوم، وصف عبد الرحمن الرافعي المشهد بأنه مأساة قومية أشد من إخلاء السودان عام 1884، لأنها سلّمت البلاد للسيطرة الإنجليزية المنفردة.
كانت بريطانيا تريد منذ سنوات تقليل النفوذ المصري في السودان بعد ثورة 1919 المصرية وأحداث 1924 السودانية، رأت أن وجود الجيش المصري (الذي يضم ضباطاً وجنوداً سودانيين أيضاً) يغذي الحركة الوطنية ويهدد سيطرتها. اغتيال ستاك أعطاها الذريعة القانونية والسياسية لتنفيذ ما كانت تخطط له: إبعاد الرموز المصرية، تكوين قوة دفاع سودانية مستقلة تحت قيادة بريطانية، والانفراد بحكم السودان عملياً مع الإبقاء على الكوندومينيوم شكليا. هل أخطأ سعد بالاستقالة؟
من جهة المبدأ لم يخطئ سعد في رفض التوقيع على جلاء جيشه عن السودان. كان ذلك خط الوفد وخط البرلمان، ومطلب الثوار السودانيين أنفسهم، البقاء في الحكم مع تنفيذ الإنذار كاملاً كان سيجعل «وزارة الشعب» هي من يشرعن فصل وادي النيل.
من جهة الميزان السياسي للاستقالة ثمن باهظ. بريطانيا كانت تريد إسقاطه أصلاً بعد ستاك، خروجه نقل التنفيذ إلى وزارة أطوع، فخرج الجيش بسرعة، وطُرد موظفون مدنيون مصريون، وبُنيت مؤسسة عسكرية سودانية موالية للحاكم العام لا للقاهرة، الاستقالة حفظت رمز سعد وأضاعت الأداة، هذا ليس خيانة؛ هو حدّ قدرة زعيم شعبي أمام إنذار إمبراطوري وجريمة لم يصنعها هو لكنها حُسبت عليه.
الخطأ الأكبر لم يكن استقالة سعد بقدر ما كان وهم أن رصاصة في القاهرة تُضعف بريطانيا في الخرطوم، العكس حدث.
من 1924 إلى 1956.. كيف صار الانفصال ممكناً؟
لم تعلن 1924 استقلال السودان، لكنها صنعت شروطه البعيدة، ومنها انفراد بريطاني شبه كامل بالإدارة والجيش والتعليم بعد جلاء المصريين، انقسام الحركة السودانية لاحقاً بين اتحاديين («وحدة وادي النيل») واستقلاليين («السودان للسودانيين»)، تحوّل الوحدة من واقع معيشي مشترك إلى شعار حزبي يتنافس مع قومية سودانية ناضجة في الأربعينيات.
المفارقة الأخيرة أن الحزب الذي فاز عام 1953 بشعار الاتحاد مع مصر، بقيادة إسماعيل الأزهري، هو من أعلن الاستقلال التام في 19 ديسمبر 1955، ورفع العلم في 1 يناير 1956.
سبقت ذلك ثورة يوليو 1952 واعتراف محمد نجيب بحق تقرير المصير، ثم اتفاقية فبراير 1953 بين مصر وبريطانيا. القاهرة نفسها، بعد ثلاثين سنة من تمسك سعد بالوحدة، قبلت أن يختار السودان طريقه.
اضطرابات الجنوب، وصعود الشعور الوطني السوداني، وتراجع صورة مصر بعد إزاحة نجيب، حسمت الخيار ضد الاتحاد.
إذن 1924 لم «تفصل» السودان قانوناً. هي قطعت الشريان العسكري، ومنحت بريطانيا ثلاثة عقود لتعيد تشكيل النخب والمؤسسات، حتى صارت الدولة المستقلة عام 1956 خياراً سودانياً أكثر مما هي هزيمة مصرية لحظة إعلانها.
خلاصة: كيف بدأت علاقات مصر والسودان وأين ذهبت
بدأت العلاقة الحديثة بالغزو التركي-المصري في 1820-1821، ثم بالمهدية التي طردت الحكم المصري، ثم بإعادة الفتح الأنجلو-مصري 1898 والحكم الثنائي 1899: سيادة مصرية اسمية وقبضة بريطانية فعلية.
في 1919-1924 بدت الوحدة مشروعاً شعبياً على ضفتي النيل، يهتف له الضابط السوداني والطالب المصري ورئيس وزراء القاهرة. في نوفمبر 1924 انكسر هذا المشروع لا بهزيمة فكرية، بل بثلاث ضربات متزامنة: فشل التفاوض، رصاصة الحماقة السياسية، وإنذار أخرج الجيش. ولقراءة المزيد عن هذا الموضوع الهام وضعت بالأسفل مجموعة من المراجع والمصادر التي استعنت بها.
مصادر ومراجع:
• وزارة الخارجية المصرية، القضية المصرية 1882–1954، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1955 (مذكرات أللنبي وسعد، ومفاوضات 1924).
• عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية(الجزء الأول).
• أحمد شفيق باشا، حوليات مصر السياسية، حولية 1924.
• يوشيكو كوريتا، علي عبد اللطيف وثورة 1924: بحث في مصادر الثورة السودانية، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1997.
• تاج السر عثمان الحاج، مقالات الذكرى المئوية لثورة 1924، صحيفة التغيير.
• Mohammed Nuri El-Amin, “Britain, The 1924 Sudanese Uprising, and the Impact of Egypt on the Sudan,” International Journal of African Historical Studies.
• Pierre Crabitès, “Egypt, the Sudan and the Nile,” Foreign Affairs, December 1924.
• اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير، 12 فبراير 1953.
• P. M. Holt & M. W. Daly؛ Robert O. Collins في تواريخ السودان الحديث.
• خطب إسماعيل الأزهري وإعلان الاستقلال، 1 يناير 1956.






















