عمار علي حسن: هروب الرياضيين امتداد لحالة عامة يعيشها الشباب المصري
رائد سلامة: ما يحدث نتيجة غياب التخطيط وتراجع الإنفاق على الألعاب الفردية
عماد جاد: قدروا الكفاءات والأبطال أو اتركوهم يحققوا أنفسهم في الخارج
عمرو هاشم ربيع: غياب التقدير السبب الأساسي وراء هجرة الرياضيين والكوادر المصرية للخارج
وائل عباس: اتحاد المصارعة الأكثر طردًا للاعبين.. وأصابع الاتهام يجب أن تتجه إلى الاتحاد لا اللاعب
هبة عبد العزيز: لا نبرر هروب اللاعبين.. لكن لماذا أصبحت بعض المواهب ترى مستقبلها خارج مصر؟
لماذا يصل لاعب مصري إلى اللحظة التي يرى فيها أن ترك بعثة منتخب بلاده هو الحل؟ سؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع تكرار وقائع هروب اللاعبين، وآخرها واقعة هروب المصارع محمد الشامي من بعثة المنتخب في روما، التي سبقتها بأيام واقعة هروب اللاعب زياد حجاج من بعثة المنتخب في سلوفاكيا، في مشهد لا يمكن اختزاله فقط في مخالفة للوائح أو قرار فردي بالهروب.
المشكلة هنا لا تبدأ لحظة اختفاء اللاعب من البعثة، وإنما ربما تبدأ قبل ذلك بكثير، سواء في التدريبات أو في تفاصيل حياة لاعب شاب يحمل حلمًا بالاحتراف والبطولات ورفع اسم مصر، ثم يجد نفسه في مرحلة ما أمام ضغوط أو أزمات تجعله يتخذ قرارًا بهذه الخطورة.
ومع كل واقعة جديدة، يعود السؤال نفسه: هل نبحث فقط عن كيفية خروج اللاعب من البعثة، أم نسأل أولًا عن الأسباب التي دفعته إلى التفكير في الرحيل؟ وهل تمتلك المنظومة الرياضية آليات حقيقية للاستماع إلى اللاعبين واكتشاف مشكلاتهم قبل أن تتفاقم؟ وهل هناك تقدير حقيقي لهذه المواهب سواء ماديًا أو معنويًا؟
الأمر اللافت أيضًا أن بعض وقائع الهروب لم تواجه فقط بالانتقاد الشعبي، بل صاحبها قدر من التعاطف والتشجيع على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يفتح بابًا آخر للنقاش: لماذا يتعامل البعض مع اللاعب الهارب باعتباره «ضحية» أو صاحب فرصة، بدلًا من النظر إلى ترك بعثة المنتخب باعتباره إخلالًا بمسؤولية تمثيل مصر؟
وفي هذا الملف، نستطلع آراء عدد من السياسيين والشخصيات العامة للبحث عن إجابات لهذه الأسئلة، ووضع اليد على مكامن الخلل التي قد تكون وراء تكرار هذه الوقائع، ومحاولة فهم ما إذا كانت المشكلة في قرارات فردية للاعبين فقط، أم أن هناك أزمة أعمق داخل منظومة رعاية وإدارة المواهب الرياضية في مصر.
عمار علي حسن: هروبهم امتداد لحالة عامة يعيشها الشباب
الأديب والمفكر السياسي عمار علي حسن، قال إن واقعة هروب لاعب المصارعة محمد الشامي، وقبله اللاعب، زياد حجاج، ليست ظاهرة منعزلة، وإنما امتداد لحالة عامة يعيشها الشباب المصري.
وأوضح حسن أن الشعور بانسداد الأفق وأفول الأمل، وغياب فرص الحراك الاجتماعي الحقيقي، هي التي تدفع الشباب كله للتفكير في الهجرة، مشيرا إلى أن البعض يلجأ للسفر للعمل بعد الحصول على شهادات عليا، وآخرون يهربون عبر العمل أونلاين مع شركات دولية، بينما يختار البعض «مراكب الموت» عبر البحار.

وأضاف: «وبالتالي هروب الرياضيين بهذه الطريقة هو جزء من الظاهرة العامة، وليس ظاهرة خاصة بذاتها، والمصريون يشجعونهم لأن الجميع بات مدركاً أن الفرص تتراجع بل تنعدم في نظر كثيرين».
ولفت إلى أن مصر «مجتمع شاب» لكن الفرص والموارد المتاحة لا تُدار بشكل يمكنها من استيعاب الجميع، مؤكداً أن الطاقة الشبابية الكبيرة بدلاً من أن تُعتبر ميزة تحولت إلى عبء بسبب فشل الإدارة والتظالم الاجتماعي وغياب الحريات العامة التي يطالب بها الشباب.
وتابع: «من ثم كثيرون يفكرون في الهرب، وهؤلاء الرياضيون ربما وجدوا فقط طريقة آمنة للسفر مع البعثة، لكن غالبا يكون قد أجرى اتصالات قبل سفره، ويتخذ من المسابقة أو البطولة تكئة لإيجاد ممر آمن للهروب».
رائد سلامة: ما يحدث نتيجة غياب التخطيط وتراجع الإنفاق على الألعاب الفردية
الدكتور والباحث الاقتصادي رائد سلامة، رأى أن هروب لاعب المصارعة محمد الشامي، وقبله اللاعب زياد حجاج، يطرح تساؤلًا مهمًا حول أسباب ترك هذه المواهب التي تمثل منتخب مصر، حتى تصل الأمور إلى حد الهروب.
وأوضح سلامة أن هذه الأزمة تظهر بوضوح في الألعاب الفردية التي تفتقر إلى الجماهيرية التي تتمتع بها الألعاب الجماعية، مشيرًا إلى أن الدولة تولي الأهمية الأكبر للألعاب الجماعية وتنفق عليها أموالًا طائلة، رغم أنها لا تجني من وراء ذلك الكثير من العوائد.

وأضاف أن إنفاق نسبة ضئيلة جدًا من هذه الأموال الطائلة على عدد أقل بكثير من اللاعبين في الألعاب الفردية كان من الممكن أن يحقق أكبر المكاسب، لافتًا إلى أن هؤلاء اللاعبين يبرعون بشكل كبير عندما يغادرون ويلعبون باسم دولهم الجديدة، ويحققون لها الميداليات والتفوق.
وشدد الباحث الاقتصادي على ضرورة التوقف والبحث والدراسة حول أولويات الإنفاق في العملية الرياضية، بشكل يتناسب مع العوائد من هذا الإنفاق، بما في ذلك الأثر النفسي لتكريس وتأكيد المواطنة، وكيف يمكن تحقيق هذه الأهداف ببعض الإنفاق غير الضخم.
تكرار وقائع هروب اللاعبين
وتساءل رائد سلامة: مع تكرار وقائع هروب اللاعبين خلال الفترة الأخيرة، لماذا لم يتم الوقوف بشكل جاد على ملابسات الأزمات التي تدفعهم إلى اتخاذ هذا القرار، والعمل على حلها؟
وأوضح أن هناك غيابًا للتخطيط العلمي من جانبين، يتمثل الأول في التخطيط الاستراتيجي من جانب وزراء الرياضة والشباب المتوالين، بينما يتمثل الجانب الثاني في التخطيط الأقل في المستوى من جانب وكلاء الوزارة ورؤساء الأجهزة.
وأشار إلى أن إحساس الجميع بغياب الرقابة الشعبية، وأن أحدًا لن يحاسبهم كمجلس النواب، يمثل أحد أسباب استمرار هذه الأزمات، إلى جانب غياب التنسيق على مستوى السياسات العامة بين الوزارات جميعها، رغم تداخل أعمالها، وبالذات فيما يتعلق بالشباب والرياضة، حيث يكون الانتماء بمثابة الأمر المتبادل، فهو لا يتم من طرف واحد.
وأكد سلامة أنه لا يمكن أبدًا أن يستسيغ أي عقل دفع عشرات الملايين للاعب واحد من اللاعبين في الرياضات الجماعية، مع التقتير الشديد على لاعبي الرياضات الفردية، رغم ارتفاع مستوياتهم، وبالتالي زيادة احتمالات فوزهم بميداليات بأقل التكاليف.
وأضاف أنه من ناحية أخرى، لابد أن تدرس القوى السياسية، وبالتحديد تلك التي لها تمثيل بالمجالس النيابية من الشيوخ والنواب، أسباب ما يحدث بأعلى مستويات الدقة ومعايير البحث، وتقديم ما يليق بهذه الظاهرة من أدوات مساءلة برلمانية، وبالذات فيما يتعلق بخطة الدولة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي غاب عنها الجانب الرياضي والثقافي.
تشجيع هروب اللاعبين على مواقع التواصل
وتطرق الدكتور والباحث الاقتصادي رائد سلامة إلى حالة التشجيع التي حظي بها بعض اللاعبين بعد هروبهم من جانب المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلًا من توجيه اللوم لهم على ترك بعثات المنتخب.
وقال: «أيامنا شبابنا نحن، سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كنا نرى الشاب الذي يسافر على هذا النحو، بمثابة الهارب من الواجب الوطني والمارق المتمرد على المجتمع، خصوصًا وقد وفرت له الدولة الدعم والرعاية في حالة تفوقه وقدرته الإبداعية».
وأوضح أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على الرياضة، ولكن على كل فروع النشاط الإنساني.
وأضاف أن الوضع حاليًا تغير، حيث تغلب الإحساس بانسحاب الدولة من الإنفاق على الشباب، وبأن تقدير التفوق والبراعة لا يكون إلا بالسفر للخارج، بسبب تغير الظروف وعدم تخصيص ما يلزم من خطط مالية لتأمين تطوير واقع رياضي مأزوم، بالذات في الألعاب الفردية.
وأشار سلامة إلى تدهور قدرات الإبداع الإداري التي تخطط وتدعم المواهب في كل المجالات ثقافيًا ورياضيًا وفنيًا، وتسعى لرعايتها والعناية بها، إلى جانب توغل البيروقراطية بالمفهوم السلبي، وغياب محاسبة المقصرين من قبل المجالس النيابية.
واختتم سلامة حديثه بالتأكيد على أن هذه الأسباب تمثل، في رأيه، الأسباب الحقيقية وراء ظاهرة هروب اللاعبين.
عماد جاد: قدروا الكفاءات والأبطال أو اتركوهم يحققوا أنفسهم في الخارج
الدكتور عماد جاد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، قال إن هناك مشكلة حقيقية في مصر، تتمثل في أن الهرم الاجتماعي والاقتصادي مقلوب، موضحًا أن المطربين ولاعبي كرة القدم يحصلون على الملايين، بينما تحصل الكفاءات الفردية على الفتات.
وأضاف جاد أن الكفاءات تهاجر هجرة شرعية، ومن بينهم الأطباء والمهندسون والمبدعون في مختلف المجالات المطلوبة دوليًا، بينما يفر البسطاء عبر الهجرة غير الشرعية مثل القوارب.

وأوضح أن الكفاءات لا سيما في الألعاب الفردية مثل رفع الأثقال والجودو والكاراتيه والمصارعة بأنواعها المختلفة، يستغلون مسابقات عالمية في الخارج من أجل الهروب والبحث عن حياة كريمة ودخل يؤمن حياتهم ويحسن أحوال أسرهم.
وأشار إلى أن بعض هؤلاء اللاعبين يحصلون على الملايين عندما يفوزون بميدالية باسم الدولة التي تجنسوا بجنسيتها، مستشهدًا بوجود حالات حقق فيها لاعبون ذهبية عالمية في رفع الأثقال باسم قطر وغيرها الكثير.
وأكد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أن الأجهزة المسؤولة، للأسف، لا تناقش جوهر القضية ولا مسبباتها ولا تعمل على حلها، بل تلجأ إلى الحلول الأمنية، مثل القبض على والد بطل المصارعة الذي هرب.
وتساءل جاد: «ما ذنب والده كي يتم القبض عليه؟»، معتبرًا أن ذلك يمثل رسالة شديدة القسوة، وتأتي بنتائج عكسية حتى في مستقبل العلاقة بالوطن الأم.
وشدد على ضرورة تقدير الكفاءات والأبطال والمتفوقين، قائلًا: «قدروا الكفاءات والابطال والمتفوقين أو اتركوهم يحققوا نفسهم في الخارج».
وطالب جاد بالتخلي عن الحلول الأمنية في التعامل مع هذه القضية، مؤكدًا أن القضية اجتماعية واقتصادية بالأساس.
واختتم جاد حديثه قائلًا: «أعود وأكرر جملتي المفضلة، قليل من الفكر الأمني، كثير من الفكر الإنساني والسياسي».
عمرو هاشم ربيع: غياب التقدير المادي والمعنوي وراء هجرة الرياضيين والكوادر
الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، أكد أن غياب التقدير هو السبب الأساسي وراء لجوء بعض الرياضيين والكوادر المصرية إلى الهجرة والعمل في الخارج.
وأوضح ربيع أن المقارنة بين أوضاع المصريين في الداخل والخارج، سواء على المستوى المادي أو المعنوي، هي التي تدفع إلى هذا القرار، مؤكداً: «أنا مش شايف أي سبب تاني».

وأرجع أسباب غياب التقدير إلى عدة عوامل، منها التغافل، والتعمد، وقلة الإمكانيات، والتمييز، والتفرقة بين الناس، مشيرا إلى أن الظاهرة لا تقتصر على الرياضيين وحدهم، بل تمتد لتشمل الأطباء والأطقم الطبية.
ووصف الوضع الحالي بأنه «أمر محزن لأبعد الحدود»، معربا عن أمله في أن تكون هذه الوقائع دافعا لإصلاح الأوضاع وإعادة التقدير للناس والاهتمام بهم، ومنحهم المكافآت والتقديرات المادية والمعنوية التي ترضيهم، بما يلغي أي مقارنة بين وضعهم في الداخل والخارج.
واختتم قائلاً: «طبعا ده صعب جدا على الدولة شوية، لكنه ليس مستحيلا».
وائل عباس: أصابع الاتهام يجب أن تتجه إلى الاتحاد لا اللاعب
المدون والكاتب وائل عباس، قال إن توجيه أصابع الاتهام إلى أي جهة خارج اتحاد المصارعة أو الاتحادات المسؤولة عن الألعاب الفردية يمثل ابتعادًا عن أصل المشكلة، مؤكدًا أن اتحاد المصارعة تحديدًا يتحمل مسؤولية كبيرة عن تكرار وقائع هروب اللاعبين.
وأضاف عباس أن اتحاد المصارعة هو أكتر اتحاد طارد ومطفش للاعبين، مشيرًا إلى عدد من الوقائع التي شهدها الاتحاد خلال السنوات الماضية، من بينها هروب طارق عبد السلام إلى بلغاريا عام 2017، وبوشا وشقيقه إلى فنلندا في العام نفسه، وإبراهيم غانم إلى روما عام 2017، ومحمد عصام إلى إيطاليا عام 2022، وأحمد فؤاد إلى تونس عام 2023، رغم عودته لاحقًا.

وأوضح أن وقائع الهروب لم تقتصر على اتحاد المصارعة، وإنما شهدتها اتحادات أخرى، بينها الاسكواش وألعاب القوى والفروسية، وكذلك رياضات المكفوفين، معتبرًا أن تكرار هذه الوقائع يستوجب التوقف أمام طريقة إدارة الاتحادات الرياضية للألعاب الفردية.
هل هناك جدية في صناعة قوة ناعمة لمصر؟
وتساءل عباس عن مدى جدية الدولة في خلق قوة ناعمة لمصر، خاصة مع تزايد الحديث خلال الفترة الأخيرة عن أهمية القوة الناعمة، قائلًا إن التركيز غالبًا ما ينصب على الفنانين والممثلين، رغم أن تأثير الرياضة وإمكانية تحقيق إنجازات عالمية فيها أكبر بكثير.
وقال: «دايمًا الكلام بيصب لصالح الممثلين، اللي بيمثلوا أدوار بتتشاف محليًا وبالكثير عربيًا، لكن معندناش حتى ممثلين عالميين، بينما في الرياضة فرصة العالمية موجودة، والعيال بتتجنس وبتكسب وبتحقق بطولات».
وأضاف أن اللاعبين المصريين الذين يتجنسون بجنسيات دول أخرى ويحققون البطولات باسمها يمثلون خسارة لمصر، متسائلًا: «فهل فيه جدية فعلًا في خلق قوة ناعمة لمصر؟».
وانتقد عباس استمرار إسناد رئاسة وإدارة الاتحادات الرياضية إلى أشخاص من خارج الوسط الرياضي، متسائلًا عن أسباب عدم الاعتماد على الرياضيين وأصحاب الخبرة في إدارة الألعاب المختلفة.
وقال: «ليه الاتحادات بيمسكها ناس مش لاعيبة، ناس من مؤسسات تانية؟ ماهو ده ثبت فشله، ليه مستمر وفيه إصرار عليه؟ وكان الاتحادات دي جراجات أو مكافأة نهاية خدمة لناس معينة».
وأكد أن إدارة الاتحادات الرياضية يجب أن تكون من خلال أشخاص يفهمون طبيعة اللعبة واحتياجات اللاعبين، وليس باعتبارها مواقع إدارية تمنح لأشخاص من خارج المجال.
وشدد عباس على أن المسؤولية الأساسية في أزمة هروب اللاعبين تقع على الاتحاد والقائمين عليه، قائلًا: «اصبع الاتهام أوجهه لرئيس الاتحاد والاتحاد بالكامل، وليس للاعب أبدًا، فاللاعب هو الوحيد الذي على حق».
وأضاف أن تكرار الوقائع داخل اتحاد بعينه يستدعي مساءلة الاتحاد والقائمين عليه، وليس التعامل مع الأمر من خلال حماية المسؤولين أو تحميل اللاعب وحده المسؤولية.
وانتقد طريقة التعامل مع اللاعبين خلال البعثات، قائلًا: «معاملة اللاعبين كأنهم فراخ بننقلهم في تقفيصة، أو مساجين بننقلهم ترحيلة، ده أهبل معالجة ممكن تتعمل للحالة».
وأوضح أن اللاعب المتفوق الذي يكرس وقته وجهده للعبة يجب أن يحصل على حياة كريمة وتقدير حقيقي، مؤكدًا أن الاستثمار في هؤلاء اللاعبين يمكن أن يحقق لمصر حضورًا عالميًا.
وطالب عباس بمنح اللاعبين المتفوقين التقدير والرعاية التي يستحقونها، على غرار الاهتمام الذي يحصل عليه الفنانون، معتبرًا أن الأبطال الرياضيين قادرون على تحقيق تأثير دولي أكبر لمصر من خلال البطولات والإنجازات العالمية.
وقال: «واحد متفوق كرس نفسه للعبة، بتاخد منه مجهود ووقت، وفرله عيشة كريمة بقى وكرمه».
واختتم عباس بالتأكيد على ضرورة إسناد إدارة الاتحادات إلى الرياضيين وأصحاب الخبرة في الألعاب المختلفة، معتبرًا أن إصلاح منظومة إدارة الرياضة يبدأ من التعامل مع اللاعب باعتباره بطلًا يجب احتواؤه ورعايته، وليس عبئًا أو متهمًا بمجرد وقوع أزمة.
هبة عبد العزيز: لماذا أصبحت بعض المواهب ترى مستقبلها خارج مصر؟
الكاتبة الصحفية والإعلامية هبة عبد العزيز، مديرة وحدة الثقافة والفنون بمؤسسة بصيرة، قالت إنها لا تدافع عن هروب اللاعبين من بعثات المنتخبات المصرية، مؤكدة أن الهروب خطأ لا يمكن تبريره، ولا يصح أن يتحول إلى بطولة أو نموذج يُحتفى به على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتساءلت عبد العزيز: «هل يكفي أن نعاقب اللاعب ونغلق الملف؟»، مشيرة إلى أن السؤال الأهم يجب أن يكون حول الأسباب والظروف التي دفعت لاعبًا يمثل منتخب مصر إلى ترك البعثة والاختفاء.

وأضافت أن تكرار وقائع الهروب لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تصرف فردي يتحمل اللاعب مسؤوليته كاملة، معتبرة أن الأمر يطرح علامات استفهام حول المنظومة الرياضية نفسها، ومدى حصول اللاعبين على الرعاية التي تليق بمواهب تمثل مصر.
وتابعت: «هل هؤلاء اللاعبون يحصلون على الرعاية التي تليق بمواهب تمثل مصر؟ هل هناك من يسمع شكواهم قبل أن تتحول الضغوط إلى قرار بالهروب؟ هل تتم مراجعة أوضاع اللاعبين نفسيًا وماديًا وفنيًا بصورة حقيقية؟ وهل توجد جهة مستقلة تسمع اللاعب عندما تكون لديه مشكلة مع الاتحاد أو الجهاز الفني؟».
وأكدت عبد العزيز أن الأخطر هو تعامل بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع الهروب باعتباره نوعًا من «النجاة»، وتحويل اللاعب الهارب إلى بطل، معربة عن رفضها الشديد لهذا الأمر.
وقالت: «ليس طبيعيًا أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها ترك بعثة منتخب مصر هو الحلم، ويصبح الهروب منها هو الإنجاز الذي نصفق له».
وأوضحت أن الحل في الوقت نفسه لا يتمثل في «جلد اللاعب وحده»، لأن اللاعب جزء من المنظومة، والميدالية التي حققها لم يصنعها بمفرده، كما أن قرار الهروب لا يمكن اختزاله في كلمة «خيانة» وإنهاء القضية عند هذا الحد.
وأضافت: «علينا أن نسأل بشجاعة: هل نهرب من اللاعبين عندما يحتاجون إلينا، ثم نغضب منهم عندما يهربون منا؟».
وشددت على ضرورة إجراء تحقيق جاد وشفاف، لا يقتصر على معرفة كيفية خروج اللاعب من البعثة، وإنما يمتد إلى البحث عن الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار.
وأكدت أنه إذا ثبت خطأ اللاعب فعليه أن يتحمل مسؤوليته كاملة، وإذا ثبت في المقابل وجود تقصير أو ظلم أو إهمال دفعه إلى الهروب، فيجب أن يتحمل المسؤولية أيضًا من أوصل اللاعب إلى هذه النقطة.
وقالت عبد العزيز: «صناعة البطل لا تبدأ يوم يصعد إلى منصة التتويج، صناعة البطل تبدأ من اللحظة التي يشعر فيها أن بلده، واتحاده، ومنظومته الرياضية، يريدونه فعلًا ويقف بجانبه».
وأشارت إلى أن مواجهة ظاهرة هروب المواهب المصرية تتطلب الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: «لماذا أصبحت بعض مواهبنا ترى مستقبلها خارج مصر أفضل من مستقبلها داخلها؟».
ولفتت إلى أن القضية، وفقًا لما نشرته بعض التقارير، لا تبدو واقعة منفردة، إذ تحدثت تقارير عن مغادرة أو هروب 7 مصارعين مصريين خلال نحو 9 سنوات، ومن بينهم من واصل مسيرته الرياضية وأصبح بطلًا عالميًا مع دولة أخرى.
واختتمت عبد العزيز حديثها بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون فقط: «لماذا هربوا؟»، وإنما أيضًا: «ماذا نخسر نحن عندما يهربون؟».
شاب رفض ذكر اسمه: لازم نسأل هل الظروف والمجتمع سابوا لهم مساحة يعيشوا فيها؟
شاب رفض ذكر اسمه، علق على أزمة لاعب المصارعة محمد الشامي، قائلا: «الحديث عن هروب الشباب أو سفرهم بحثًا عن فرص أفضل لا يجب أن يبدأ باللوم والإدانة، وإنما بطرح سؤال أساسي، وهو هل الظروف والمجتمع سابوا لهم مساحة يعيشوا فيها؟».
وأضاف أن كلام محمد الشامي «لخص حاجات كتير»، مؤكدًا أن اللاعب ليس مطالبًا بتوضيح أو تبرير كل التفاصيل، لأن الصورة الأوسع أصبحت واضحة، والأهم أن ما تحدث عنه يلامس واقع حياة عدد كبير من الشباب المصري.
وأوضح أن هناك شبابًا قد يقضي 15 عامًا أو أكثر دون أن يتمكن من الزواج أو شراء شقة أو حتى ضمان حياة مستقرة، مشيرًا إلى أن حالة محمد الشامي ليست فردية، وإنما نموذج موجود بين قطاعات من الشباب في المجتمع.
وأشار إلى أن الهروب أو الهجرة أصبحا بالنسبة لبعض الشباب وسيلة للبحث عن فرصة أفضل، والقدرة على بناء حياة مستقرة ومساعدة أنفسهم وأسرهم، مؤكدًا أن ذلك لا يعني بالضرورة عدم حب مصر.
وتابع: «اللي مبيحبش مصر بجد هو اللي يعيش فيها ويضرها بوسائل غير شرعية علشان يعرف يعيش، وساعتها مش هنقول ضحية مجتمع، لأ هنقول فيه أشد العبارات».
وشدد على أن من يبحث عن فرصة أفضل بطريقة مشروعة ويحاول بناء حياة كريمة لنفسه وأسرته، يجب ألا يكون أول رد فعل تجاهه هو اللوم، قائلًا: «قبل ما نلومه.. لازم نسأل نفسنا إيه اللي وصله لكده؟».
منظومة تحتوي مواهبنا
وبينما اختلفت زوايا النظر إلى أسباب هروب اللاعبين، اتفقت الآراء التي رصدها التقرير على أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في قرارات فردية منفصلة، خاصة مع تكرارها في الألعاب الفردية، وأن الاكتفاء بمعاقبة اللاعب لن يعالج أصل المشكلة.
كما التقت الآراء حول أهمية إعادة النظر في طريقة إدارة المواهب الرياضية، سواء من حيث التخطيط والإنفاق أو الدعم المادي والمعنوي، مع ضرورة منح الألعاب الفردية واللاعبين المتفوقين ما يستحقونه من اهتمام وتقدير.
وأكدت الآراء كذلك أن غياب الاستماع إلى اللاعبين وتراكم المشكلات دون حلول، إلى جانب شعور بعضهم بأن فرص النجاح وتحقيق الذات أصبحت أفضل خارج مصر، يمثل جانبًا مهمًا من الأزمة، وهو ما يستدعي وجود آليات حقيقية لاكتشاف المشكلات والتعامل معها قبل أن تصل إلى مرحلة الهروب.
وفي النهاية، ربما يكون التحدي الحقيقي ليس فقط في منع لاعب من الهروب، وإنما في بناء منظومة تجعل اللاعب لا يفكر أصلًا في الهروب، وتمنحه ما يحتاجه من تقدير ورعاية وفرصة حقيقية لصناعة مستقبله داخل بلده.





















