«85 سنة ولسه واقف قدام النار».. أقدم حداد كور في قنا يحكي أسرار الحديد والجمر
كتب زيدان القنائى
على الرغم من اختفاء عشرات الحرف اليدوية والتراثية بالصعيد لا يزال الحاج جاد عبد الرحيم مغربي يقف أمام الكور ، وسط النيران ولهيب الجمر، يمارس حرفة قديمة ارتبطت بحياته لعقود طويلة حتى تحولت الى جزا لا يتجزا من حياته اليومية
فالرجل الذى تجاوز ال 85 عامًا العمر لم يمنعه من العودة يوميا إلى عالم الحديد والنار؛ فبالنسبة إليه، الأمر لم يعد مجرد مهنة أو مصدر رزق، وانما حرفة تمثل جزا من ذكريات طويلة وقدبمة ما زالت محفورة فى ذاكرته وقصص وحكايات يصر على سردها امام الزبائن هناك وغالبيتهم من اهالى القرية.
أمام منزل الحاج جاد، توجد غرفة صغيرة خصصها لحرفته، يحتفظ بداخلها بالفؤوس وقطع الحديد والأدوات التي تحتاج إلى إصلاح وكذلك الطوارى الزراعية التى لا يعرفها سوى الفلاحين هناك بمجتمع تسيطر عليه الزراعة بجانب كونه مقصدا للسياح الأجانب ايضا
كيف بدات رحلة حداد الكور
قطعة حديد أكلها الصدأ تصل إلى يديه، فيضعها داخل الكور، وتبدأ النار في تسخينها، ثم يتعامل معها حتى تستعيد شكلها وبريقها، لتعود مرة أخرى إلى العمل من جديد كانها جديدة رغم انها فى الغالب عفا عليها الزمن وتاكلت من تراكم الصدا فوقها
وبحسب روايات الحاج جاد، اعتاد المزارعون على مدار عقود طويلة، منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، اللجوء إلى حداد الكور لإصلاح أدواتهم الزراعية، وعلى رأسها الفؤوس التي كانت تتعرض للصدأ والتآكل بفعل الاستخدام والسنوات.
من الفأس إلى لجام الجمل قديما
حكاية الحاج جاد لا تتوقف عند إصلاح الفؤوس فقط فالرجل يحمل في ذاكرته مشاهد من زمن انتهى بالفعل، عندما لم تكن السيارات ووسائل النقل الحديثة موجودة
يحكي أنه في تلك الفترة كانت الجمال وسيلة من وسائل السفر والتنقل، وكان من بين أعماله صناعة اللجام والأجزاء الحديدية الخاصة بالجمال التي كان يستقلها المسافرون في رحلاتهم القديمة من قنا إلى الوجه البحري ولم يعد ذلك موجودا في يومنا هذا
“النار والجمر عادة يومية بحياته»
وسط الحرارة المرتفعة ولهيب النار والجمر، لا يبدو الحاج جاد منزعجا او لديه قلق من إرتفاع درجات الحرارة خاصة خلال الصيف يقول إن التعامل مع النار والجمر أصبح أمرًا اعتاد عليه طوال سنوات عمله، وإن حرارة الكور لم تعد بالنسبة له مشهدًا غريبًا، بعدما قضى سنوات طويلة في هذه المهنة واصبحت معتادة بشكل يومى لديه
ويواصل استخدام الوقود والفحم المستخدم في الكور لتسخين الحديد، ثم إصلاحه وإعادة تشكيله، مستندًا إلى خبرة طويلة اكتسبها عبر السنين وتعلمها من اجداده فيؤكد ان تلك الحرف يتم توارثها وليست هناك مدارس لتعليمها كمدارس اليوم
رجل تخطى الثمانين عاما
.
الحاج جاد لا يتحدث عن مهنته باعتبارها مصدرًا للمال فقط، بل باعتبارها جزءًا من حياته.
فهو، بحسب ما يرويه، يعيش ظروفًا اقتصادية واجتماعية جيدة، وميسرة ويفتخر بأبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده، وليس مضطرًا إلى العمل من أجل توفير احتياجاته الأساسية او المال
ومع ذلك، لا يستطيع الابتعاد عن الكور التى باتت تمثل جزءا من حياته اليومية التى اعتاد عليها لسنوات طويلة
.
من فؤوس المزارعين التي كانت تعود إلى الحقول بعد إصلاحها، إلى لجام الجمال التي كانت تحمل المسافرين قبل أن تتغير وسائل النقل، يحتفظ الحاج جاد بحكايات زمن انتهى بالفعل وبجعبته ذكريات وقصص مشوقة للغاية وذاكرة قوية للغاية فهو يعرف البلدان والعمد والقصص القديمة بالصعيد الجوانى
.
وهكذا يقف الحاج جاد عبد الرحيم مغربي، ابن قنا، أمام كورِه؛ لا يبحث عن المال بقدر ما يبحث عن إبقاء نفسه منشغلا بحرفته النادرة التى يعشقها بالفعل رغم كونها صعبة للغاية




















