في الثاني من نوفمبر 1917 أصدر وزير خارجية بريطانيا آنذاك آرثر جيمس بلفور رسالته الشهيرة إلى اللورد روتشيلد، متعهدًا بدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
كانت رسالة قصيرة لا تتجاوز 67 كلمة، لكنها شكّلت الشرارة التي فجّرت مأساة شعب كامل، وأدت إلى ضياع الأرض والحقوق الفلسطينية عقودًا طويلة. لقد أعطى بلفور وعدًا باسم حكومة لا تملك أرض فلسطين لمن لا يملك حقًا فيها.
نص وعد بلفور على “تأييد إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على ألا يُنتقص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة هناك”.
اقرأ أيضًا: «عايش في عالم تاني».. مجدي حمدان لـ«الحرية»: مصطفى مدبولي فقد صلاحيته.. ومصر بحاجة إلى حكومة جديدة
لكن ما حدث على أرض الواقع كان نقيض ذلك تمامًا: استيلاء منظّم على الأراضي، تهجير للسكان الأصليين، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية مهدت لقيام كيان غريب على جسد المنطقة. وكانت النتيجة: النكبة عام 1948، ملايين اللاجئين، ومجازر مروّعة أُبيد فيها المدنيون العزّل.
والآن، بعد أكثر من مئة عام، سقطت الأقنعة. بات واضحًا للعالم كله، حتى لدى كثير من الدول الغربية، أن الكيان الصهيوني لم يكن “دولة ديمقراطية” كما روّج لنفسه، بل عصابات مسلّحة تحوّلت إلى سلطة استعمارية إحلالية، قتلت وشردت وأبادت الشعب الفلسطيني، واعتدت على المقدسات والأرض والهوية. واليوم نشهد لأول مرة منذ عقود دولًا غربية كبرى – بينها الدولة التي أصدرت وعد بلفور نفسها – تتراجع عن مواقفها القديمة وتعلن اعترافها بالدولة الفلسطينية.
هو اعتراف متأخر، لكنه يعكس إدراكًا عميقًا بأنهم أخطأوا في حق شعب قُتل وتمزقت أوصاله من أجل عصابات أرادت أن تكون دولة.
إن اعتراف هذه الدول، مهما تأخر، لا يعيد وحده الحقوق لأصحابها. لا يكفي أن يُقال “أخطأنا”، بل يجب أن يُترجم ذلك إلى إجراءات عملية:
دعم حقيقي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وقف تزويد الكيان الصهيوني بالسلاح والدعم السياسي في المحافل الدولية.
محاسبة قادة الاحتلال على جرائم الحرب بحق الشعب الفلسطيني.
لقد سقط وعد بلفور سياسيًا وأخلاقيًا في عيون العالم، وبقي سقوطه على الأرض مسألة وقت. ستعود الأرض لأصحابها مهما طال الظلم، وسيبقى الشعب الفلسطيني شاهدًا على حقه التاريخي الذي لا يسقط بالتقادم. الاعتراف وحده لا يكفي؛ بل يجب أن يتبعه فعل شجاع يعيد لهذا الشعب حقه وكرامته ووطنه.





















