في زمنٍ أصبحت فيه رموز الوطن تتجسد في لحظة عفوية أو لفتة بسيطة، خطفت الفنانة المصرية شريهان الأضواء مجددًا، ليس عبر خشبة المسرح أو شاشة التلفاز، بل من خلال منشور مقتضب على منصة “إكس”، استطاعت من خلاله أن تشعل نقاشًا عامًا وتوجه رسالة ضمنية لرمزٍ آخر من رموز الساحة الفنية.. محمد رمضان.

بدأت القصة حين نشر النجم المصري محمد صلاح صورة لاحتفاله بتتويج فريقه ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو يرفع العلم المصري عاليًا، في مشهد جسّد الوطنية الصامتة التي لا تحتاج كلمات ولا مؤثرات، بل تتحدث بلغتها الخاصة.. لغة الأفعال.
وعلّقت شريهان على الصورة قائلة:
“هكذا يُرفع علم الوطن الكبير مصر.. وهكذا تكون مكانة العلم المصري تكريماً وشرفاً، عملاً واجتهاداً، خلقاً وأخلاقاً.. تمثيل مشرف للوطن والمواطن المصري، حمداً لله عليك يا نعمة من نعم مصر.”
وتعتبر رسالة واضحة في ظاهرها، لكنها في باطنها كانت موضع تأويل واسع من جمهور اعتاد قراءة ما بين السطور، خاصة أنها جاءت بعد أيام من الضجة التي أثارها الفنان محمد رمضان عقب مشاركته في مهرجان “كوتشيلا” بلوس أنجلوس، حيث ظهر مرتديًا ملابس فرعونية مثيرة للجدل، في أداء وُصف من البعض بأنه لا يليق بتمثيل مصر على منصة عالمية.
الجمهور يقرأ المشهد السياسي والثقافي
تدوينة شريهان لاقت تفاعلاً كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعددت القراءات، لكن القاسم المشترك بينها كان الشعور بأن الرسالة لم تكن مجرد إشادة بمحمد صلاح، بل كانت توبيخًا غير مباشر لمحمد رمضان، ورسالة فنية وطنية تُعيد طرح سؤال الهوية المصرية: من يحق له تمثيل مصر؟ وكيف يجب أن يُرفع علمها؟
واعتبر البعض أن المقارنة بين ظهور محمد صلاح وظهور محمد رمضان لم تكن صدفة، بل درس عملي قدمته شريهان في الوطنية والأسلوب، فصلاح، بتواضعه وأدائه المذهل، رفع العلم فخراً، بينما رمضان، رغم رفعه نفس العلم، أثار الجدل بما وصفه البعض بـ”استعراض لا يليق”، حتى وإن تغلف بالرمزية الفرعونية.
شريهان.. فنانة تعرف كيف تزن الكلمات
ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها شريهان كلمتها كأداة للتأثير، فهي واحدة من أكثر الفنانات وعيًا وإدراكًا لقيمة الرمز والرسالة.
بدأت حياتها الفنية وهي في سن الرابعة، واحترفت التمثيل والرقص الاستعراضي حتى أصبحت أيقونة الفوازير في الثمانينات والتسعينات.
واجهت شريهان مصاعب صحية قاسية، منها حادث مروع عام 1990 أثر على عمودها الفقري، وأعقبته إصابتها بسرطان الغدد اللعابية، لكن ذلك لم يكسر عزيمتها.
عادت بعد رحلة علاج طويلة لتخطف القلوب بإعلان رمضاني عام 2021، أثبت أنها ما زالت رمزًا للجمال والقوة والإرادة.
درست الحقوق، وكان يمكن أن تسير في طريق المحاماة مثل والدها، الدكتور أحمد عبد الفتاح الشلقاني، أحد أعلام القانون المصري، لكنها اختارت طريق الفن، بدعم من أخيها غير الشقيق عازف الجيتار الراحل عمر خورشيد، الذي كان له دور كبير في اكتشاف موهبتها.
صلاح ورمضان.. انعكاسان مختلفان لمصر في الخارج
رسالة شريهان سلطت الضوء على نقطة محورية: “ليس كل من يحمل العلم يمثل مصر.”
فرغم أن كليهما – صلاح ورمضان – رفع العلم المصري، فإن الفرق في السياق، والطريقة، والرسالة البصرية كان شاسعًا.

محمد صلاح يجسد نموذج الرياضي الخلوق الذي لا يتحدث كثيرًا لكنه يترك الأثر، بينما محمد رمضان يمثل فنانًا يسعى للتميز والاختلاف، لكنه لا ينجو دائمًا من الجدل والانتقادات.
وهنا يأتي دور الكلمة الوازنة التي استخدمتها شريهان: “تمثيل مشرف للوطن والمواطن المصري”، وكأنها تقول – دون أن تُسمي – إن الأفعال لا تُقاس بالنوايا فقط، بل بالصورة التي تُرسم في أذهان الجماهير العالمية.
شريهان.. ذاكرة فنية ووطنية لا تُنسى
في وقت تصعد فيه موجات “الترند” وتنطفئ بسرعة، تظل شريهان ثابتة في الوجدان المصري والعربي، رمزًا للفن الأصيل والذوق الرفيع والوعي الوطني.
حيث برعت في المسرحيات مثل “سك على بناتك” و”علشان خاطر عيونك”، وقدمت أفلامًا خالدة مثل “عرق البلح” و”خلي بالك من عقلك”، وكانت لسنوات طويلة وجه الفوازير الرمضانية الذي ينتظره الجمهور كل عام بشغف.
كما تعلمت الباليه في باريس، وامتلكت لياقة استعراضية جعلتها تتربع على عرش فن الاستعراض النسائي في مصر، وقدّمت نموذجًا مختلفًا عن نجمات جيلها، نموذج الفنانة المثقفة، الراقية، صاحبة الموقف والرؤية.






















