في السابع من أكتوبر 2023، انطلقت عملية «طوفان الأقصى»، لتدخل معها غزة والعالم في واحدة من أعنف مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبين ركام البيوت وصوت القنابل، كان هناك صوت آخر لا يحمل سلاحًا، بل كاميرا وميكروفونًا، الصحفيون الذين نقلوا الحقيقة من قلب النار، ودفعوا حياتهم ثمنًا لها.
واليوم، وبعد مرور عامين على بداية الحرب، يقف المجتمع الدولي أمام سؤالا: كم من الصحفيين يجب أن يُقتلوا قبل أن يتحرك العالم؟
وبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، بلغ عدد الصحفيين الذين استُشهدوا منذ بدء الحرب أكثر من 200 صحفي وصحفية، بعضهم قُتل مع أفراد عائلته داخل منزله، وآخرون أثناء أداء مهامهم الميدانية.

استهداف متكرر وصمت دولي
في أغسطس الماضي، ودّعت غزة وجمهور الصحافة العربية مراسل قناة الجزيرة «أنس الشريف»، الذي استُشهد في قصف استهدف فريق القناة أثناء تغطيته الميدانية قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة، إلى جانبه استُشهد كل من محمد قريعة وإبراهيم الزاهر ومحمد نوفل ومؤمن عليوة، في قصف وصفته شبكة الجزيرة بأنه «اغتيال متعمّد لرجال الكلمة».
وأدانت القناة، في بيان رسمي، الاستهداف المتكرر والمنهجي لمراسليها وموظفيها في غزة، مؤكدة أن طواقمها كانت تؤدي واجبها الصحفي وفق القوانين الدولية التي تضمن حماية الإعلاميين في مناطق النزاع.
غياب العدالة وتحرك خجول
أثار مقتل الصحفيين موجة غضب دولية واسعة، فالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصف ما جرى بأنه «انتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي»، ودعا إلى تحقيق عاجل ومستقل لكشف ملابسات استهداف الصحفيين.
كما أصدرت منظمات دولية، من بينها اللجنة لحماية الصحفيين (CPJ) ومراسلون بلا حدود (RSF) والعفو الدولية، بيانات متتالية تندد بما وصفته بـ«القتل الممنهج للصحفيين في غزة»، معتبرة أن ما يجري قد يرقى إلى جريمة حرب.
من جهتها، حمّلت دولة قطر، التي تتبع لها قناة الجزيرة، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن مقتل الصحفيين، مؤكدة أن الاستهداف لم يكن صدفة، بل محاولة واضحة لإسكات صوت الحقيقة.

مأساة إنسانية خلف الصورة
لم تكن فاجعة استشهاد أنس الشريف وزملائه مجرد حدث مهني مؤلم، بل مأساة إنسانية بكل تفاصيلها، أنس، الذي كان يوثّق دمار الأحياء في غزة، كتب قبل أيام من رحيله رسالة مؤثرة تحدث فيها عن زوجته «بيان» وطفليه «صلاح وشمّ»، وعن خوفه ألا يعود إلى المنزل، حيث كتب يومها: «نعيش كي نروي، وإن رحلنا فستبقى الكاميرا شاهدة».
لكن الكاميرا انطفأت، وبقيت العائلة بلا معيل، مثل عشرات الأسر الفلسطينية التي فقدت أبناءها الصحفيين، تاركين خلفهم أطفالًا صغارًا وذكريات معلّقة بين الحلم والدمار.


القانون الدولي ومساءلة الغائبين
تنص اتفاقيات جنيف على أن الصحفيين المدنيين العاملين في مناطق النزاع يجب أن يتمتعوا بحماية خاصة، طالما لا يشاركون في الأعمال العدائية، لكن الواقع في غزة أثبت أن تلك القوانين كثيرًا ما تُدفن تحت الركام.
حتى الآن، لا توجد أي محاسبة فعلية أو تحقيق دولي شفاف حول مقتل صحفيي الجزيرة أو عشرات زملائهم من المؤسسات الأخرى، ما يعزز شعورًا عامًا بأن العدالة ما زالت رهينة الصمت السياسي.
بين الكاميرا والموت.. تبقى الحقيقة
الصحفيون في غزة لم يكونوا طرفًا في الحرب، بل شهودًا على مأساة لا تتوقف، كانوا يسابقون الوقت لنقل الصورة للعالم، وبينما كان البعض ينجو بأعجوبة، سقط آخرون ومعهم الحقيقة التي أرادوا حمايتها.
ورغم الحزن والدم، تبقى رسالتهم حاضرة: أن تكون صحفيًا في غزة يعني أن تحمل الكاميرا كما يحمل غيرك الدرع، أن تكتب باسم من لا يستطيع الكلام، وأن تعرف أن الحقيقة في هذه الحرب، هي الهدف الأول في مرمى النار.
ومع كل صحفي يُستهدف، يخسر العالم جزءًا من ضميره الإنساني، وفي ظل العجز الدولي عن حماية الإعلاميين أو محاسبة من يعتدي عليهم، يتضاعف السؤال: هل فقد العالم شجاعته في الدفاع عن الحقيقة، خوفًا من إسرائيل التي تُباشر في قتلها للصحفيين لإسكات صوت الحقيقة؟





















