تحل اليوم الذكرى الـ26 عامًا التي مرت على رحيل واحد من أبرز رجال الدولة والسياسة في تاريخ مصر الحديث، لكن اسم فؤاد سراج الدين باشا لا يزال حاضرًا كلما فُتح الحديث عن الوفد، والدفاع عن الدستور، ومقاومة الاحتلال، ومعارك الحياة النيابية.
في مثل هذا اليوم، 9 أغسطس عام 2000، رحل فؤاد سراج الدين، بعد مسيرة سياسية امتدت لأكثر من خمسة عقود، شهد خلالها تحولات كبرى في تاريخ مصر، من فترة الحكم الملكي ومقاومة الاحتلال البريطاني، وصولًا إلى عودة حزب الوفد للحياة السياسية وتوليه قيادة الحزب حتى وفاته.
من النيابة إلى قلب الحياة السياسية
وُلد فؤاد سراج الدين في 2 نوفمبر 1910، والتحق بكلية الحقوق، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1931، ثم عمل وكيلًا للنائب العام لعدة سنوات، قبل أن يبدأ رحلته السياسية داخل حزب الوفد.
وفي عام 1936، خاض الانتخابات البرلمانية مرشحًا عن حزب الوفد، وفاز بعضوية مجلس النواب عن محافظة كفر الشيخ، وكان وقتها من أصغر أعضاء المجلس سنًا. ومنذ تلك اللحظة بدأ اسمه في الصعود داخل الحياة السياسية المصرية.
وزيرًا للداخلية.. واسم ارتبط بمعركة الإسماعيلية
تولى سراج الدين عددًا من المناصب الوزارية، وكان من أبرزها وزارة الداخلية، التي ارتبط اسمه بها بواحدة من أشهر المحطات في تاريخ المقاومة المصرية للاحتلال البريطاني.
ففي 25 يناير 1952، حاصرت القوات البريطانية قوات الشرطة المصرية في الإسماعيلية، وطالبتها بتسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة. ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، رفضت القوات المصرية الاستسلام، بعدما أصدر وزير الداخلية آنذاك فؤاد سراج الدين توجيهاته بالصمود والمقاومة.
وانتهت المواجهة باستشهاد وإصابة عدد كبير من رجال الشرطة، لتصبح معركة الإسماعيلية واحدة من أبرز صفحات المقاومة المصرية للاحتلال البريطاني، ومنها ارتبط 25 يناير لاحقًا بعيد الشرطة المصرية.
من الصدام السياسي إلى الاعتقال
لم تكن رحلة سراج الدين السياسية هادئة؛ فقد عاش سنوات من الصدامات والتحولات السياسية الكبرى، خاصة بعد ثورة يوليو 1952، وتعرض للاعتقال، وابتعد عن الحياة السياسية لسنوات طويلة.
لكن اسم الرجل عاد إلى الواجهة مع عودة حزب الوفد إلى الحياة السياسية في سبعينيات القرن الماضي، ليصبح واحدًا من أبرز رموز الوفد الجديد، ويتولى رئاسة الحزب ويقوده في مرحلة جديدة من العمل السياسي.
الوفد من جديد.. وعودة الصوت المعارض
مع عودة الوفد إلى الساحة السياسية، ارتبط اسم فؤاد سراج الدين بمحاولة إعادة بناء الحزب واستعادة حضوره في الحياة العامة.
وفي عهده صدر العدد الأول من جريدة الوفد في مارس 1984، لتصبح الصحيفة إحدى الأدوات الرئيسية للحزب في التعبير عن مواقفه السياسية، ونافذة على التيار الوفدي في الحياة العامة.
كما ارتبطت مسيرته بالدفاع عن قيم اعتبرها جوهر العمل السياسي، وفي مقدمتها الدستور والديمقراطية والحياة النيابية، وهي المبادئ التي ظل حزب الوفد يطرح نفسه باعتباره أحد أبرز المدافعين عنها.
رجل دولة عاش تحولات مصر الكبرى
تكمن أهمية تجربة فؤاد سراج الدين في أنه لم يكن مجرد سياسي تولى مناصب وزارية أو حزبية، وإنما كان شاهدًا وفاعلًا في مراحل شديدة الحساسية من تاريخ مصر.
فقد بدأ مشواره في ظل النظام الملكي، وشارك في الحياة النيابية والحزبية، وتولى حقائب وزارية، وكان حاضرًا في فترة الصراع مع الاحتلال البريطاني، ثم واجه مرحلة ما بعد ثورة يوليو، قبل أن يعود إلى المشهد السياسي مع إحياء حزب الوفد.
ولهذا وصفه عدد من الكتاب والمؤرخين بأنه واحد من أبرز رموز المدرسة الوفدية، بينما ظل اسمه مرتبطًا بصورة السياسي الذي خاض معارك طويلة دفاعًا عن رؤيته للحياة الحزبية والدستورية.
9 أغسطس.. الرحيل الذي لم يُنهِ الحكاية
في 9 أغسطس 2000، أسدل الستار على حياة فؤاد سراج الدين، لكنه لم يُسدل الستار على سيرته؛ فبعد أكثر من ربع قرن على رحيله، لا يزال اسمه حاضرًا في ذاكرة حزب الوفد وفي صفحات التاريخ السياسي المصري.
وفي مناسبات إحياء ذكراه، يستعيد الوفديون محطات حياته باعتباره أحد أبرز رموز الحزب، إلى جانب سعد زغلول ومصطفى النحاس، وهو ما ظهر في إحياء حزب الوفد لذكرى رموزه الثلاثة واستحضار أدوارهم في الحركة الوطنية المصرية.
وهكذا، تبقى سيرة فؤاد سراج الدين واحدة من السير السياسية اللافتة في مصر؛ رجل بدأ حياته من مقاعد البرلمان، وانتقل إلى مقاعد الوزارة، وخاض معارك السياسة والاحتلال والاعتقال، ثم عاد ليقود الوفد في مرحلة جديدة، قبل أن يرحل تاركًا وراءه اسمًا ارتبط لعقود بتاريخ الحزب والحياة النيابية المصرية.




















