قال الدكتور ياسر حسان، الباحث السياسي وأمين صندوق حزب الوفد، إن الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تشهدها فرنسا تعكس تراكم أخطاء اقتصادية على مدار عقود، مشيرًا إلى أن ما تشهده الشوارع الفرنسية من احتجاجات وغضب شعبي لا يمكن فصله عن الضغوط المالية التي تواجهها الدولة، وتراجع قدرتها على مواصلة تمويل نموذج الرفاه الاجتماعي الذي اعتاد عليه المواطن الفرنسي.
وأضاف حسان في منشور له، أن فرنسا تواجه أزمة ديون تاريخية، في ظل ارتفاع الدين العام إلى نحو 3.6 تريليون يورو، بما يعادل نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا للأرقام التي استند إليها في تحليله، موضحًا أن ارتفاع أعباء خدمة الدين يضغط على موازنات قطاعات حيوية، من بينها التعليم والصحة، ويضع الحكومات المتعاقبة أمام خيارات صعبة بين خفض الإنفاق العام والاستمرار في الاقتراض.
وأوضح أن الأزمة لا ترتبط بأخطاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحده أو الحكومات السابقة، وإنما تعود إلى سياسات اقتصادية تراكمت على مدار سنوات طويلة، لافتًا إلى أن نموذج دولة الرفاهية في فرنسا اعتمد على تقديم خدمات اجتماعية واسعة، تشمل العلاج المجاني والتعليم المدعوم وتحديد ساعات العمل عند 35 ساعة أسبوعيًا ونظام تقاعد يوفر مزايا اجتماعية، لكن تمويل هذا النموذج، بحسب رؤيته، اعتمد بدرجة كبيرة على الاقتراض والإنفاق بأكثر مما تحققه الدولة من إيرادات.
وأشار حسان إلى أن فرنسا لم تسجل فائضًا في الموازنة العامة منذ عام 1974، معتبرًا أن استمرار العجز لنحو نصف قرن جعل الدولة أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكلفة الاقتراض، خاصة مع وصول عجز الموازنة إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالمستهدفات الأوروبية.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى زيادة تكلفة خدمة الدين العام، موضحًا أن هذه الأعباء تستهلك موارد مالية كان من الممكن توجيهها إلى الخدمات العامة والاستثمارات، في وقت خفضت فيه الحكومة توقعاتها للنمو الاقتصادي خلال عام 2026 إلى نحو 0.5%، وفقًا للأرقام الواردة في تحليله.
ولفت إلى أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية الفرنسية واتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية يعكسان تزايد المخاوف بشأن قدرة فرنسا على ضبط أوضاعها المالية، مشيرًا إلى أن تحذيرات مؤسسات التصنيف الائتماني والضغوط التي تمارسها الأسواق تزيد من صعوبة المشهد أمام الحكومة الفرنسية.
وأكد حسان أن الأزمة المالية تتداخل مع أزمة سياسية، في ظل انقسام البرلمان وصعوبة تمرير الموازنات والإجراءات التقشفية، موضحًا أن الحكومات تجد نفسها أمام ضغوط متعارضة؛ فمن ناحية، هناك غضب شعبي من أي مساس بالمكتسبات الاجتماعية والمعاشات والأجور، ومن ناحية أخرى، هناك حاجة إلى خفض العجز والحد من الاقتراض لتجنب ارتفاع أعباء الدين بصورة أكبر.
4 أسباب وراء تفاقم الأزمة الاقتصادية الفرنسية
وحدد الباحث السياسي وأمين صندوق حزب الوفد أربعة أسباب رئيسية يرى أنها أسهمت في تفاقم الأزمة الاقتصادية الفرنسية، أولها تراجع القاعدة الصناعية، موضحًا أن فرنسا فقدت جزءًا كبيرًا من قدراتها التصنيعية مقارنة بما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، مع انتقال بعض المصانع والأنشطة الإنتاجية إلى دول أخرى، وتراجع حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 10%، بحسب تقديراته، وهو ما زاد اعتماد الاقتصاد الفرنسي على الخدمات والواردات، وأسهم في استمرار العجز التجاري.
وأضاف أن السبب الثاني يتمثل في ارتفاع الإنفاق العام والعبء الضريبي، مشيرًا إلى أن الإنفاق الحكومي في فرنسا يتجاوز 57% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يفرض ضغوطًا كبيرة على المالية العامة، في ظل الحاجة إلى تمويل الخدمات والالتزامات الاجتماعية.
وأوضح أن ارتفاع الضرائب والاقتطاعات من الرواتب، إلى جانب تعقيد الإجراءات البيروقراطية، يمثلان تحديًا أمام الشركات والاستثمارات، معتبرًا أن هذه العوامل قد تؤثر في قدرة الاقتصاد على جذب رؤوس الأموال وتحفيز النشاط الإنتاجي.
وأشار حسان إلى أن السبب الثالث يتمثل في الضغوط الديموغرافية ونظام التقاعد، موضحًا أن ارتفاع أعداد المتقاعدين مقارنة بالعاملين يضع أنظمة المعاشات أمام تحديات تمويلية متزايدة، في ظل تمسك قطاعات من الشارع الفرنسي برفض رفع سن التقاعد إلى ما يتجاوز 64 عامًا.
وأضاف أن الجدل حول سن التقاعد يعكس صعوبة التوفيق بين الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية وضمان استدامة النظام المالي، خاصة مع تزايد احتياجات الإنفاق على المعاشات والخدمات العامة.
أما السبب الرابع، بحسب حسان، فهو الاعتماد المستمر على الاقتراض، موضحًا أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لجأت إلى الاستدانة لتمويل نفقاتها وسد عجز الموازنة، وهو ما جعل الاقتصاد أكثر تأثرًا بارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت الدولة تستفيد في فترات سابقة من انخفاض تكلفة الاقتراض.
وأكد أن ارتفاع فوائد الديون يحول جزءًا متزايدًا من الإيرادات العامة إلى سداد الالتزامات المالية، بدلًا من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات، محذرًا من أن استمرار هذا المسار يحد من قدرة الحكومة على التحرك لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ماكرون بين ضغوط الشارع والأسواق المالية
وقال حسان إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يواجه ضغوطًا متزامنة من الشارع والأسواق المالية والمؤسسات الأوروبية، موضحًا أن أي إجراءات تستهدف خفض الإنفاق قد تواجه رفضًا شعبيًا واسعًا، بينما يؤدي استمرار العجز والاقتراض إلى زيادة الضغوط على تكلفة التمويل والثقة في قدرة الدولة على إدارة ديونها.
وأضاف أن الأزمة الفرنسية لا يمكن اختزالها في أزمة رئيس أو حكومة، وإنما تعكس تحديات نموذج اقتصادي واجتماعي يحتاج إلى تحقيق توازن بين الإنفاق العام والإيرادات والإنتاجية والنمو.
واختتم حسان تحليله بالتأكيد على أن تجربة فرنسا تحمل دروسًا مهمة للدول الأخرى، موضحًا أن امتلاك اقتصاد كبير وقاعدة صناعية متقدمة وقدرات عسكرية وتكنولوجية لا يعفي أي دولة من مخاطر الاختلالات المالية إذا استمر الإنفاق دون موارد كافية لتغطيته.
وشدد على أن الإدارة الرشيدة للموارد العامة، وتعزيز الإنتاج والتصنيع، وتحقيق التوازن بين الالتزامات الاجتماعية والقدرة المالية للدولة، تمثل عناصر أساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، محذرًا من أن تجاهل الاختلالات المتراكمة قد يجعل تكلفة معالجتها في المستقبل أكثر صعوبة.






















