عبارة شديدة الخبث تم ترويجها عبر مواقع التواصل، وبعض المنصات المعارضة لمصر من الخارج تقول: “الرئيس يعلن النكسة فى احتفال النصر” فهل فعلاً كان يقصد رئيس الجمهورية إعلان الهزيمة فى خطاب النصر؟!
فى البدأ وقبل الإجابة على هذا السؤال الخبيث، دعني أخبرك أنك حين تكون رئيساً لمصر فى هذه الحقبة من التاريخ.. فهذا وحده كفيل أن تتلقف كل دوائر المعلومات فى العالم الخطاب الرئاسي بالتحليل الدقيق، وحين تكون أمة تمارس عليها كل أجيال الحروب غير التقليدية، وسط حصار عسكري على كامل حدودها الجغرافية، فهو أيضاً أمر يدعو كل أعدائك للبحث والتفتيش داخل العقل المصري، متمثلاً في أعلى هرم السلطة.. وسط كل هذا حين يستدعي الخطاب الرئاسي الذاكرة الوطنية لأجواء ما بعد هزيمة 67 فهو أمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام.. وهو ما حدث فعلاً خلال الساعات والأيام القليلة الماضية..ليطرح العشرات من علامات الأستفهام التي لا تقل خبثاً عن السؤال السالف، فدعونا نغوص بالتحليل في هذه المساحة..
فى البداية دعني أخبرك أن تحليل المضمون السياسي للخطاب الرئاسي المصري منذ تولي الرئيس السيسي لمقاليد السلطة في مصر، هو خطاب محير جداً، خاصة مع ارتجالات الرئيس التي لا تنتهي في معظم الخطابات، ورغم القواسم المشتركة فى كل خطابات الرئيس والتى يمكن تلخيصها في محاور سريعة، مثل التماسك الداخلي، والدفع بعملية التنمية، ومواجهة التحديات، والتطمينات السياسية، مع بعض التهديد المباشر فيما يتعلق بمخاطر الأمن القومي، إلا أنه ورغم كل ذلك فمراكز الدراسات وغرف التحليل السرية فى العالم لا تزال تترقب وتتحير فيما يعتبرونه متناقضات الخطاب السياسي للرئيس.
وأعتقد أن كل هذا الاشتباك يمكن حلحلته بالوقوف على الخلفية العسكرية لرجل المخابرات الذي أراد له الله تولى الحكم.. فى مرحلة من أخطر حقب التاريخ المصري بل والدولي، ورغم ذلك ورغم غموض التحليل إلا أنني شخصياً أرى وضوح فى كل الخطابات الرئاسية، وقد يكون هذا الذي يجلس خلف الشاشات ليكتب تحليل لمضمون الخطاب الرئاسي المصري، عاجز عن الفهم أمام هذا الوضوح فى الطرح الرئاسي المصري..
وإضاح هذه الفكرة ببساطة في الإجابة على سؤال بسيط، ما الذي نطق به الرئيس ولم ينفذه منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها ترشحه للرئاسة المصرية؟! أوليس هو القائل للمصرين وقت ترشحه للرئاسة “سوف تتعبون معي” وهو القائل ” أن الدول تتبنى بالتضحية والصبر” وهذا ما عاشه ويعيشه المصريين الأن “تضحية وصبر”، وهو القائل حين تحدث عن السياسة بالمفهوم التقليدي “أنا لست سياسياً” ولم تمارس السياسة بشكلها التقليدى في عهده، وهو القائل “العفي ماحدش يقدر ياكل لقمته” وأتبع ذلك بتحديث لكل أفرع القوات المسلحة، وفي الإعلام ألم يعتب الرئيس على الإعلام فى معظم خطاباته، وعانت منظومة الإعلام فى مصر طيلة سنوات من “زعل” الرئيس؟! ألم يقل الرئيس بوضوح “مافيش حاجة ببلاش” وفعلاً تم تسعير كل الخدمات على المصريين.. وفي كل القطاعات والتحديات، من أول الخط الأحمر ل”سرت..الجفرة” فى ليبيا، وانتهاء بالسد الأثيوبي، أوليس هو القائل “لن يجروء أحد على المساس بنقطة مياة واحدة من حصة مصر” ونحن أمام الملأ الخامس للسد ولم تنقص قطرة مياة واحدة في بيوت المصريين!!
كل ما سبق يضعنا أمام حقيقة بسيطة، الخطاب الرئاسي فى مصر هو السهل الممتنع، إذن لماذ تُحدث خطابات الرئيس الكثير من التفاعل السلبي عبر دوائر التواصل؟! ببساطة لأن هناك ترصد معلوم الهوية لتأويل الخطاب الرئاسي.. بما يُخدم على كل الأطراف التي من شأنها تعكير الداخل المصري، بداية من الإخوان وانتهاء بالقوى الدولية التي دخلت مصرطرفاً معها في الصراع بين الشرق والغرب، وأعمى أو متعامي من يُنكر أن هناك العشرات من المؤامرات تحاك على هذا الوطن، ومن لا يصدقنا فلينظر لخريطة الصراع والتواجد العسكري والحصار على كامل الحدود الجغرافية للدولة المصرية.
كل ما سبق يُعيدنا للسؤال الرئيسي لهذه السطور، هل كان الرئيس يقصد إعلان الهزيمة فى مؤتمر الاحتفال بالنصر أمام القبائل والعائلات المصرية؟!
وبمنتهى الوضوح كان خطاب الرئيس يقول أن مصر تعيش أزمة حقيقية تتشابه مع ما عاشته مصر بعد هزيمة 67، وبمنتهى الوضوح أيضاً الحديث يأتي في سياق الأزمة الاقتصادية، وفي سياق الروح المعنوية للأمة المصرية والمزايدات التي انطلقت من كل مكان، لتضرب الوعي الجمعي المصري، لإضفاء هزيمة نفسية سببها الأزمة الاقتصادية.
وحين يقول الرئيس بالنص الحرفي “ما تشاهدونه حاليًا، من غير تفسير كتير وتوضيح كتير، كانت تقريبًا نفس الظروف التي نعيشها بعد 67 في مصر”.. مضيفا: “كل الناس والعالم والخبراء واللي مهتمين بالموضوعات العسكرية والتحديات التي كانت تجابهها الدولة المصرية، خاصة على الصعيد العسكري، كانوا بيقولوا مستحيل.. خط بارليف، مانع قناة السويس، التفوق الكبير، المقارنة التي لم تكن في صالحنا”.
وأضاف أيضاً: “لكن الشعب المصري رفض وتحدى نفسه وحقق الانتصار، هذا الانتصارغالي، ودُفع فيه من دماء المصريين، وأيضًا دُفع فيه الكثير”..
نقطة ومن أول السطر.. تأويل هذه العبارات على أنها إعلان هزيمة هو تأويل خبيث، ففي الوقت الذى يستلهم فيه الرئيس روح التحدي الذى عاشها المصرين بعد 67 فقادته بعد 6 سنوات فقط للنصر الأعظم فى التاريخ الحديث.. على العدو الذي يعيث فساداً في الأرض الأن، وتأتي هذه العبارات في ذكرى النصر ذاته، فمن المؤكد أننا أمام مدافع إعلامية جبارة تريد عكس مضموض الخطاب، ودفعه في اتجاه شعور المصريين بالهزيمة وسط أزمة أقتصادية طاحنة، ببساطة الوصول لشعب مهزوم نفسياً.. والشعوب المهزومة نفسياً.. لا تحارب، ولا تنتصر، ولا تنهض، ويمكن احتلالها دون قطرة دماء واحدة، فالمهزوم قبل المعركة لا يخوضها..
ففي اللحظة التي يقوم فيها الرئيس بإنشاء كيان لتوحيد كلمة القبائل والعائلات تحت اللواء المصري، فى منظومة رسمية، خاصة قبائل سيناء، وما أدراك ما قبائل سيناء، يُواجه بحرب إعلامية شرسة لضرب الفكرة ذاتها فى لحظة ميلادها، بتأويل الخطاب وإخراجه من سياقه تماماً إلى سياق معاكس.
باختصار شديد، الحكاية ليست خطابات الرئيس، ولست في معرض الرد على مرتزقة الإعلام المعادي والموجه ضد مصر، ولكن الحقيقة أن معركتنا الحقيقية الأن هى الوعي الجمعي المصري، تجاه تحدي حقيقي ووجودي للدولة المصرية، ومخطأ من يتخيل ولو للحظة، أن مصر ليست في مرمى نيران العدو.
إن الحرب قائمة وبدأت وممتدة وبالتحديد منذ 4 يوليو 2009 حين أعلنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما عبر منصة قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، ومن بعدها وقد اشتعلت أرض العرب، وبدأ ما عُرف ب”الفوضى الخلاقة” أو “الربيع العربي” فسقطت سوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، وظلت مصر كما وصفوها بألسنتهم “الجائزة الكبرى” وبحول الله وقوته، أبداً لن تكون مصر جائزة لأحد في العالم غير للمصريين، ولكنها الحرب، جولات ومعارك، مرت بالإرهاب، وعاشت حرب الاقتصاد والتجويع، والحصار، والسد الأثيوبي، ولا زالت مصر باقية صامدة منتصرة، ولا يزال العدو داخل الحرب معنا، ولم يتبق لهم غير الرصاص، ونحن بحول الله.. لها فى كل وقت وحين.





















