عندما تقدّمت الحكومة إلى مجلس النواب في يوليو الماضي بمشروع قانون «جامعة كيان للعلوم التطبيقية» التابعة لوزارة الدفاع، وكان المشروع مكوّنًا من خمس مواد إصدار و(٥١) مادة للقانون المرافق، كتبتُ كالعادة بعض التعديلات على مشروع القانون لبعض النواب، وكانت التعديلات على المواد: (١، ٣، ٧، ٢٥، ٣٦، ٣٩، ٤٠).
ومن بين التعديلات الجوهرية أجريتُ تعديلًا على المادة (٢٥) بحذفها كاملةً لعدم دستوريتها. وكانت المادة تنص على:
«يمنح طلاب الشعبة العسكرية بكليات ومعاهد الجامعة مكافأةً شهرية تعادل أول راتب رتبة الملازم والتعويضات المقررة قانونًا، وذلك اعتبارًا من التاريخ الذي تمنح فيه هذه الرتبة لأقرانهم من خريجي الكلية الحربية بالأكاديمية العسكرية المصرية، ويشترط لذلك أن يكون الطالب قد أمضى دراسته بنجاح».
وبرّرتُ ذلك بعدم دستوريتها، وكتبتُ تحديدًا: «لأن المادة بها شبهة تمييز غير دستوري بين طلاب الكلية الواحدة أو المعهد الواحد؛ فمنحُ طالبٍ مكافأةً شهرية لأنه عسكري، وحرمانُ طالب آخر لأنه مدني، وهما في الكلية نفسها، يحمل تمييزًا واضحًا، وكان الأولى أن تكون الجامعة للعسكريين فقط».
وعند متابعتي مناقشةَ مجلس النواب للمشروع في جلسته العامة، عرفتُ أن التعديل لم يُقدَّم من الأساس؛ لأن النائب عندما يُقدّم تعديله عبر «التابلت» يتم إرفاقه، ويُنادَى عليه عند مناقشة المادة ليعرض تعديله ومبرراته، ثم يُعرَض التعديل على المجلس لإقراره أو رفضه، ولم يُعرَض التعديل. وتيقّنتُ أن التعديلات لم تجد قبولًا لدى حزب المعارضة الذي يتبعه النائب صاحب تعديل المادة (٢٥).
خاصةً أن هيئته البرلمانية وقياداته يعقدون جلسات لمناقشة التعديلات والاتفاق على ما يُقدَّم قبل يوم الجلسة العامة. ويبدو أن المشروع التابع لوزارة الدفاع، الذي يحمل تمييزًا واضحًا بين مدنيين وعسكريين في جامعة واحدة وكلية واحدة، في مخالفة دستورية تلمحها حتى العين العليلة، إلا أن الحزب بنوابه ومعارضته لم يتحمّل مجردَ الاعتراض على نص غير دستوري، مجردَ تسجيل موقف، وترك للأغلبية تمريره.
وصباح اليوم الخميس، علمتُ أن رئيس الجمهورية استخدم حقّه الدستوري في الاعتراض على المادة (٢٥) التي رفض الحزب المعارض اقتراح حذفها!
ومما جاء في رسالة الرئيس إلى مجلس النواب:
«… ولما كانت جامعة كيان تقبل طلابًا في الشعبتين العسكرية والمدنية، ومن ضمن أهدافها تخريج أعداد من الضباط والمدنيين بعد الحصول على درجة البكالوريوس أو الليسانس في مجالات التخصص، وتكون الدراسة فيها إعمالًا لنص المادة (٦) من مشروع القانون بنظام الإقامة الداخلية؛ ولذا فنرى إلغاء ما تضمّنه نص المادة (٢٥) من مشروع القانون من حكم منح المكافأة الشهرية والسنوية سالفتي الإشارة، إمعانًا في ترسيخ مبدأ المساواة الدستوري، وتفاديًا لما قد يحمله التطبيق العملي لهذا النص في طياته من مساس بمقتضيات هذا المبدأ.
وعلى قاعدة من هذا النظر، جاء الاعتراض على ما تضمّنه نص المادة (٢٥) من مشروع القانون من أحكام، بغية إلغائها بالكامل».
وبينما رفض الحزب المعارض أن يتقدّم نائبه بتعديل المادة بحذفها، ولم يتقدّم أيُّ حزب آخر من نواب المعارضة تحت القبة بتعديل يقضي بحذف المادة، بل ووافقوا على القانون من حيث المبدأ وبشكل نهائي، فقد قام الرئيس بدور المعارضة، واستخدم –مشكورًا– حقّه الدستوري في الاعتراض على نص المادة (٢٥)، ولم يُصدِق على المشروع وردّه إلى المجلس مطالبًا بحذفها، مستخدمًا ما تنص عليه المادة (١٢٣) من الدستور من أن لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها، وإذا اعترض رئيس الجمهورية على مشروع قانون أقرّه مجلس النواب ردّه إليه خلال ثلاثين يومًا من إبلاغ المجلس إياه.
وما تنص عليه المادة (١٧٧) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب من أن لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها طبقًا للمادة (١٢٣) من الدستور، فإذا اعترض رئيس الجمهورية على مشروع قانون أقرّه مجلس النواب وردّه إليه خلال ثلاثين يومًا من تاريخ إبلاغ المجلس، أُخطِر رئيسُ المجلس بالاعتراض على مشروع القانون وأسباب الاعتراض.
يبدو أن أحزاب المعارضة المصرية لا تتبع فقط نظرية الدكتور رفعت السعيد – رحمه الله – عن «الأسقف المنخفضة»، بل طوّرتها إلى «الأسقف الأدنى انخفاضًا»؛ فهي أسقفٌ تحت أسقفَ تحت أسقفَ، حتى وصلنا جميعًا إلى «الأسفلت» الذي يمنعنا من مجرد رفع الرأس، أو حتى مجرد تقديم تعديل على مشروع قانون مُقدَّم من الحكومة.




















