أكد هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي – مصر (CIB)، أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الاقتصاد المصري لا يتمثل في حجم الدين العام، وإنما في محدودية الإيرادات الحكومية مقارنة بحجم الاقتصاد، مشددًا على أن معالجة جذور الأزمة تبدأ بإصلاح هيكل الإيرادات وليس البحث عن حلول غير تقليدية قد تحمل مخاطر جسيمة.
جاء ذلك خلال لقاءه مع «CNBC عربية» على هامش مشاركته في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالملفات الاقتصادية والمالية، وترقب الأسواق لكلمات القادة وصناع القرار، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

عز العرب: القطاع المصرفي يتمتع بمرونة عالية في مواجهة الأزمات
وأوضح عز العرب، أن القطاع المصرفي في مصر، كما في المنطقة ككل، يتمتع بدرجة مرتفعة من المرونة والقدرة على الصمود أمام الصدمات، لافتًا إلى أن البنوك المصرية اعتادت التعامل مع أزمات متتالية منذ عام 2011، وهو ما انعكس على أسلوب إدارتها للمخاطر والسيولة والمخصصات.
وأضاف: «البنوك في مصر تعمل دائمًا بمنهج الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، وهذا ما جعلها أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات، فالضربة التي لا تقتل تجعلك أقوى».
الأرقام وحدها لا تكفي لقياس قوة المؤسسات المالية
وأشار الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، إلى أن تقييم قوة البنوك لا يجب أن يقتصر على المؤشرات المالية أو الأرباح فقط، موضحًا أن القدرة على اتخاذ القرار السريع، والاستمرار في التمويل، والنظرة المستقبلية، تعد عناصر أساسية في قياس متانة المؤسسات.
وأكد أن الأرباح ضرورية لدعم القاعدة الرأسمالية والنمو، لكنها لا يجب أن تكون الهدف الوحيد، بل يجب تحقيق توازن بين نمو صحي ومستدام وتأثير إيجابي حقيقي في المجتمع.
«المقايضة الكبرى».. الطرح الخاطئ أخطر من الفكرة نفسها
وحول الجدل الدائر بشأن ما يُعرف بـ«صفقة المقايضة الكبرى»، قال عز العرب إن طريقة الطرح هي جوهر الاعتراض، موضحًا أن الحديث عن مقايضة الديون بأصول الدولة دون تفاصيل واضحة يمثل طرحًا خطيرًا.
وأضاف أن المقارنة بين ما قامت به الولايات المتحدة خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 وبين الحالة المصرية غير دقيقة، لأن الدولار عملة احتياطية عالمية، بينما الجنيه المصري عملة محلية، ما يفرض قيودًا مختلفة تمامًا على السياسات النقدية
عز العرب: مشكلة الديون في مصر مرتبطة بخدمة الدين لا بحجمه
وأوضح عز العرب، أن النقاش العام يركز غالبًا على حجم الدين، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في خدمة الدين المرتفعة، والتي تعتمد بشكل مباشر على حجم الإيرادات الحكومية.
وأشار إلى أن إيرادات الدولة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تُعد من بين الأقل مقارنة بالأسواق الناشئة، مؤكدًا أن تحسين الإيرادات يجب أن يكون أولوية قصوى.
الحساب الحكومي الموحد ضرورة لإصلاح المالية العامة
وشدد عز العرب، على أهمية تطبيق الحساب الحكومي الموحد، بحيث تدخل جميع إيرادات الدولة إلى وزارة المالية، ثم يتم الصرف وفق موازنات معتمدة من البرلمان، مشيرًا إلى أن وجود هيئات تحتفظ بإيراداتها خارج الموازنة يضع عبئًا كاملًا على وزارة المالية في إدارة الدين.
وكشف أن وزارة المالية لا ترى سوى نحو 50% فقط من الإيرادات الفعلية للدولة، وهو ما يعمق الاختلالات المالية ويصعب إدارة الدين بكفاءة.
إصلاح النظام الضريبي.. الطريق الحقيقي لزيادة الإيرادات
ودعا الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، إلى إصلاح شامل للنظام الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية لتشمل جميع الأنشطة الاقتصادية، مشيرًا إلى وجود أنشطة تحقق أرباحًا ضخمة دون أن تخضع لضرائب عادلة، مثل بعض أنشطة تجارة الأراضي.
وأكد أن العدالة الضريبية تمثل حجر الأساس في أي إصلاح اقتصادي حقيقي، مشبهًا النظام الحالي بالاعتماد على «نفس البقرة لإدرار اللبن»، دون تنويع مصادر الإيراد.
البنوك لا تربح من الحكومة.. والنشاط التجاري هو الأساس
وردًا على ما يُثار حول تحقيق البنوك أرباحها من الدين الحكومي، نفى عز العرب، هذه المزاعم، موضحًا أن أكثر من 70% من ودائع البنك التجاري الدولي يتم توجيهها إلى القروض، ما يؤكد أن النشاط التجاري للأفراد والشركات هو المصدر الرئيسي للأرباح.
وأضاف أن الاحتياطيات والسيولة الإلزامية لدى البنك المركزي تمثل جزءًا تنظيميًا، ولا تعكس اعتماد البنوك على الحكومة كمصدر ربح.
نظرة متفائلة لعام 2026
وأعرب هشام عز العرب، عن تفاؤله بأداء الاقتصاد المصري خلال عام 2026، مرجعًا ذلك إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على التضخم، وحدوث استقرار نسبي في سعر الصرف، وتراجع أسعار الفائدة تدريجيًا.
وتوقع أن تصل أسعار الفائدة بنهاية العام إلى مستويات 12–13%، ما يدعم النشاط الاقتصادي والاستثماري، في ظل توافر العملة الأجنبية وتحسن مناخ الأعمال.

اختتم عز العرب، تصريحاته بالتأكيد على أن أي حديث جاد عن معالجة الدين العام يجب أن يبدأ أولًا بفهم حجم الإيرادات الحقيقية للدولة، وتجميعها بشكل كامل وشفاف، قبل البحث في حلول الدين وخدمته، معتبرًا أن الإصلاح الهيكلي للإيرادات هو المفتاح الأساسي لاستدامة الاستقرار الاقتصادي في مصر.





















