في ظل تصاعد الجدل حول طبيعة إدارة المشهد البرلماني في مصر، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى آليات التواصل والحوار لرئيس مجلس النواب هشام بدوي داخل مجلس النواب، خاصة عقب اللقاءات الأخيرة التي عقدها مع عدد محدود من رؤساء الهيئات البرلمانية.
ورأت عدد من القوى السياسية والشخصيات العامة أن ما يحدث يعكس نهجًا إقصائيًا يُضعف التعددية الحزبية ويثير تساؤلات جدية حول مصداقية الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي، في وقت تتطلب فيه التحديات الراهنة توسيع دوائر المشاركة والانفتاح على مختلف الأطياف السياسية.
تيسير مطر، رئيس حزب إرادة جيل والأمين العام لتحالف الأحزاب المصرية، انتقد أداء إدارة مجلس النواب، على خلفية البيان الصادر بشأن اجتماع رئيس المجلس مع رؤساء الهيئات البرلمانية، مؤكدًا أن ما جرى لا يعكس أي توجه حقيقي نحو إصلاح المسار البرلماني أو تعزيز المشاركة السياسية.
وقال مطر خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية” إن تجاهل دعوة عدد من الأحزاب السياسية الممثلة داخل المجلس، والاكتفاء بمجموعة محددة، يُعد انتقاصًا واضحًا من مبدأ التعددية الحزبية، ويكرس واقعًا لا يعبر عن الحياة السياسية الحقيقية، مشيرًا إلى أن اختزال التمثيل الحزبي في من يمتلكون هيئات برلمانية فقط يساهم في تهميش باقي القوى السياسية.
وأضاف أن الاجتماع لا يمكن اعتباره حوارًا سياسيًا جادًا، بل يندرج ضمن لقاءات شكلية تفتقر إلى الشمول، وتعكس إصرارًا على إدارة المشهد البرلماني بمعزل عن الأحزاب الفاعلة والمستقلين.
وأوضح مطر أن ما ورد في البيان من عبارات حول تمكين النواب وتفعيل الدور الرقابي لا يحمل جديدًا، إذ إن هذه الأمور تمثل التزامًا دستوريًا أصيلًا، وليس إنجازًا استثنائيًا يستوجب الترويج.
وحذر من أن استمرار هذا النهج يثير تساؤلات جدية حول مصداقية الحديث عن إصلاح سياسي، ويؤدي إلى تراجع ثقة الشارع في أداء المؤسسة البرلمانية، مؤكدًا أن ذلك يمنح الأحزاب الحق في انتقاد هذا المسار.
وأكد أن تغييب الأحزاب عن المشهد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الجمود السياسي، وإفراغ العملية الديمقراطية من مضمونها، مشددًا على رفضه القاطع لهذا النهج، ومحمّلًا المسؤولية لمن يديرون المشهد الحالي.
واختتم مطر تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تحركات ومواقف أكثر وضوحًا للدفاع عن حق الأحزاب في المشاركة الفعلية، مشددًا على أن من حق المواطنين نقد أداء رئيس المجلس في إطار الدستور والقانون.
مجدي حمدان القيادي بحزب المحافظين، قال إن ما جرى من لقاءات بين رئيس مجلس النواب هشام بدوي ورؤساء الهيئات البرلمانية خارج الأطر الدستورية العلنية يثير علامات استفهام حول احترام مبدأ الفصل بين السلطات.
وأوضح حمدان خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن العديد من نواب المعارضة لم يتم دعوتهم لهذه اللقاءات، بينما من حضر لا يمثل الطيف الكامل للمعارضة، ما يُظهر غياب التنوع السياسي الضروري لتحقيق توازن البرلمان ودوره الرقابي.
وأضاف: “بدلًا من أن يكون البرلمان مساحة للنقاش الحر والرقابة الجادة، نجد أنفسنا أمام اجتماعات مغلقة تُحوّل البرلمان إلى أداة تمرير، وهو ما يضعف دوره الدستوري”.
وأشار حمدان إلى أن استمرار هذا النهج يهدد قدرة البرلمان على ممارسة أدوات الرقابة الحقيقية، مثل الاستجوابات، ويقوّض استقلاليته، داعيًا إلى إعادة البرلمان إلى دوره الطبيعي كمنبر حر وسلطة رقابية حقيقية، تعكس إرادة الشعب وتمثل كل أطياف المعارضة، مؤكدا أن هذه اللقاءات تمثل التفاف على الإرادة الشعبية.
المحامي أسعد هيكل، أكد أن استبعاد بعض قوى المعارضة من اللقاءات التي يعقدها رئيس مجلس النواب هشام بدوي يثير قلقًا حقيقيًا بشأن توازن العمل البرلماني واحترام قواعده الدستورية.
وأوضح هيكل أن هذه الاجتماعات التي تتم بعيدًا عن الإطار العلني تُضعف مبدأ الشفافية، خاصة في ظل عدم تمثيل كافة اتجاهات المعارضة داخلها، وهو ما يخل بالتعددية السياسية التي يفترض أن تعكسها المؤسسة التشريعية.
وأضاف أن تغييب بعض الأصوات المعارضة يحول البرلمان من ساحة مفتوحة للنقاش والمحاسبة إلى مساحة مغلقة تُمرر من خلالها القرارات دون رقابة فعالة، مؤكدًا أن ذلك ينتقص من الدور الرقابي الأصيل للمجلس.
وأشار إلى أن الاستمرار في هذا الأسلوب قد يؤدي إلى تآكل أدوات الرقابة البرلمانية، مثل طلبات الإحاطة والاستجوابات، وهو ما يهدد استقلالية البرلمان ويحد من قدرته على تمثيل الإرادة الشعبية بشكل حقيقي، داعيًا إلى ضرورة إعادة الاعتبار لدور البرلمان كمنبر يعبر عن جميع الأطياف السياسية دون استثناء.
شادي العدل رئيس الحزب الليبرالي المصري، قال إن المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، اجتمع أمس مع ممثلي الهيئات البرلمانية للأحزاب السياسية، في لقاء وُصِف بأنه “تشاوري” يهدف إلى تفعيل الأدوات الرقابية والتنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكن الحقيقة التي لا تحتمل التأويل، أن هذا الاجتماع، رغم مشروعية الغاية منه، لم يخرج عن كونه مشهدًا روتينيًا يعكس معارضة مصنوعة داخل جدران البرلمان، لا تعبّر عن الشارع المصري ولا عن أصوات المعارضة الحقيقية التي تئن تحت وطأة الغياب القسري عن الحياة السياسية.
وأضاف العدل خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية” أن المعارضة الموجودة في البرلمان المصري، مهما اختلفت تسمياتها أو انتماءاتها الحزبية، هي معارضة جاءت عبر انتخابات لم تمنح المواطن فرصة حقيقية للاختيار، وتتحرك اليوم تحت إملاءات السلطة التنفيذية، لا تحت رغبة حقيقية في الرقابة أو المحاسبة.
وتابع أن ما يقلق الآن هو استغلال الظروف الإقليمية والدولية لتكون غطاءً لتهميش المعارضة، فما يمر الإقليم من مخاطر جسيمة، وحروب مفتوحة إلى تغيرات في موازين القوى الدولية، يُفترض أن يكون دافعًا لتوسيع دائرة المشاركة السياسية، لا لتضييقها، فالتحديات الكبرى لا تُواجه بقرارات فردية أو بمعارضة استشارية صورية، بل بحوار وطني حقيقي يشمل كل من لديه رؤية مختلفة، حتى لو كانت خارج النص المسموح به.
وأكمل أنه يطالب رئيس مجلس النواب أن يخطو خطوة جريئة تعيد للمشهد السياسي مصداقيته، من خلال توسيع اللقاءات التشاورية لتشمل رموز المعارضة الحقيقية المعبرة عن المواطن في الشارع، سواء كانوا داخل البرلمان أو خارجه، وتشكيل لجنة اتصال سياسي تجمع الحكومة والبرلمان والمعارضة الفعلية، تناقش ملفات المواطن اليومية بعيدًا عن الدعاية والاستعراض السياسي.
وأكد العدل: “استمرار الوضع على ما هو عليه، بمعارضة برلمانية لا تجرؤ على قول كلمة، وحوارات مغلقة في قاعات المجلس دون الوصول إلى الشارع، لن ينتج إلا مزيدًا من الفجوة بين المواطن ومؤسساته الوطنية”.
واختتم: “نحن في الحزب الليبرالي المصري، ندعم أي جهد حقيقي للإصلاح، لكننا نرفض أن تكون السياسة المصرية مسرحًا تُوزع فيه الأدوار من خلف الكواليس، بينما الشعب الحقيقي يدفع الفاتورة كل يوم”.
الهيئة الشعبية لحماية الثوابت والقيم الوطنية حذرت من ما وصفته بـ”خصخصة القرار البرلماني”، على خلفية ما يتردد بشأن عقد لقاءات واجتماعات مغلقة بين رئيس مجلس النواب هشام بدوي وعدد من رؤساء الهيئات البرلمانية بعيدًا عن الأطر الدستورية العلنية.
وقال المتحدث الرسمي باسم الهيئة، علي السيد الفيل، إن هذه التحركات “تثير علامات استفهام مشروعة لدى الرأي العام”، معتبرًا أنها تمثل خروجًا عن مبادئ الشفافية والفصل بين السلطات، التي تُعد من الركائز الأساسية في النظم البرلمانية.
وأضاف أن “التشريع ليس صفقة تُدار في الغرف المغلقة، بل هو إرادة شعبية يجب أن تُناقش تحت قبة البرلمان وفي جلسات علنية”، محذرًا من تحول المجلس إلى جهة تصديق على تفاهمات مسبقة تُعقد خارج الإطار الرسمي.
وأشار “الفيل” إلى أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تهميش دور النواب، وتعزيز ما وصفه بـ”المطابخ السياسية”، بما يمثل مساسًا بجوهر الديمقراطية وإرادة الناخبين.
وطرحت الهيئة عدة نقاط اعتراض، من بينها ما اعتبرته إضعافًا لهيبة المؤسسة التشريعية، ومساسًا بالقيم الوطنية، إلى جانب تغييب الرقابة الشعبية على عملية صنع القرار.
وفي ختام البيان، دعت الهيئة رئيس مجلس النواب إلى “العودة إلى المسار الدستوري”، وفتح قنوات الحوار أمام جميع النواب دون تمييز، وضمان علنية المناقشات وإتاحتها للرأي العام، مؤكدة أن الشفافية “استحقاق شعبي لا يقبل التفاوض”.
الدكتورة كريمة الحفناوي، ممثلة الحزب الاشتراكي المصري، أكدت أن الدستور المصري ينص بوضوح على الفصل بين السلطات، بحيث تكون كل سلطة مستقلة ولا تتدخل في عمل الأخرى، مشددة على أن هذا المبدأ يضمن عدم تأثير السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية أو القضائية.
وأضافت الحفناوي خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن الدستور يكفل كذلك حق كل مواطن مصري في الوصول إلى البرلمان للتعبير عن رأيه، أو تقديم شكوى، أو مقابلة أحد النواب لعرض قضاياه أو مصالح تمس المواطنين، مشيرة إلى أن هذا الحق يمثل أحد أعمدة المشاركة الشعبية في صنع القرار.
وأوضحت أنه خلال الفترات السابقة، خاصة في البرلمانات التي انعقدت في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، كان متاحًا للمواطنين وممثلي المجتمع المدني، بما في ذلك النقابات والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية، مقابلة رئيس البرلمان وأعضائه، مؤكدة أن هذه اللقاءات كانت تُعقد لمناقشة القضايا العامة قبل إصدار القوانين بما يخدم مصلحة الشعب.
وانتقدت الحفناوي الاكتفاء بعقد اجتماعات مع رؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة داخل مجلس النواب فقط، معتبرة أن ذلك لا يعكس حقيقة المجتمع، قائلة إن “الشعب لا يقتصر على النواب الموجودين داخل البرلمان”، خاصة في ظل نظام القائمة المطلقة، الذي ترى أنه أهدَر نسبة كبيرة من الإرادة الحقيقية للناخبين.
وشددت على أنه إذا كان هناك توجه لعقد حوار مع المعارضة وكل أطياف المجتمع، فيجب أن يشمل ذلك كافة قوى المجتمع المدني ومنظماته، وكل من يعبر عن مصالح المواطنين، مؤكدة رفضها لفكرة وجود “صوت واحد” في ظل التحديات الراهنة التي تتطلب مشاركة الجميع.
وطالبت الحفناوي، في ختام تصريحاتها، بالإفراج عن كافة المحبوسين السياسيين وسجناء الرأي الذين عبروا عن آرائهم بشكل سلمي، محذرة من أن قصر الحوار على قيادات الأحزاب داخل البرلمان، سواء من الموالاة أو المعارضة، لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار المجتمعي المطلوب لمواجهة التحديات.
الكاتب السياسي إسلام بهي الدين، قال إن استبعاد بعض قوى المعارضة من اللقاءات التي يعقدها رئيس مجلس النواب هشام بدوي لم يعد مجرد خلل إجرائي عابر، بل يعكس أزمة أعمق في بنية العمل السياسي في مصر، مشيرًا إلى أن المشهد العام ينتقل تدريجيًا من مرحلة “الأزمة” إلى مستوى أكثر تعقيدًا يقترب من “المعضلة” السياسية.
وأوضح بهي الدين خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية” أن تقلص الأفق السياسي بشكل غير مسبوق، يتزامن مع محاولات متكررة لتحريك المياه الراكدة، إلا أن هذه التحركات — رغم ما قد تحمله من نوايا إيجابية — غالبًا ما تنتهي إلى نتائج عكسية، بسبب افتقادها الجدية والمصداقية، أو تنفيذها بطريقة تُفرغها من مضمونها قبل أن تحقق أهدافها.
وأضاف أن انعقاد اللقاءات بعيدًا عن الإطار العلني، مع غياب تمثيل حقيقي ومتوازن لمختلف التيارات السياسية، لا يضعف فقط مبدأ الشفافية، بل يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة العملية السياسية وحدود التعددية داخلها، ومدى قدرتها على استيعاب الاختلاف الحقيقي.
وأشار إلى أن الأزمة لا تتوقف عند تقليص مساحة الحوار، بل تمتد إلى إفراغ الدور الرقابي للبرلمان من مضمونه، وتحويله إلى مساحة مغلقة تُدار فيها القرارات دون نقاش كافٍ أو مساءلة فعالة، بما يعمّق حالة الاحتقان والتعقيد في المشهد العام.
وتساءل بهي الدين: من هي المعارضة في مصر؟ وما حدود تعريفها؟ وهل تقتصر على من يتحرك داخل هوامش محددة سلفًا، أم تشمل من يمارس دوره الحقيقي في النقد والمساءلة دون وصاية أو توجيه؟
وأكد أن الإجابة عن هذه التساؤلات لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة ملحة لإعادة بناء الثقة واستعادة التوازن، وفتح المجال العام على أسس أكثر جدية وشفافية، بما يضمن وجود معارضة حقيقية تسهم في إصلاح المسار، بدلًا من الاكتفاء بحضور شكلي يفتقر إلى المضمون.






















