ونبدأ باستعراض تاريخ النزاع الصومالي الإثيوبي، كنموذج لما أدت إليه السياسات الاستعمارية، والتي خدمت الجانب الإثيوبي على حساب حقوق الشعب الصومالي وأرضه، والتي حولت الصومال إلى دولة هشة لخدمة الاستعمار الإثيوبي للأراضي الصومالية، مرورًا بالتدخلات الخارجية والتحالفات الدولية على حساب القرن والساحل الأفريقي حتى الآن.
النزاع الصومالي الإثيوبي حول الأوغادين 1960-1978
الجذور التاريخية للنزاع:
كان إقليم الأوغادين تحت السيطرة العثمانية، ومن ثم أصبح تحت السيطرة المصرية حتى عام 1886، وفي هذا العام انسحبت منه مصر بسبب الضغط البريطاني، ومنذ عام 1886 أصبح هذا الإقليم تحت سيطرة بريطانيا، ولكنها لم تبقَ فيه طويلًا، فتنازلت عنه لإثيوبيا في عام 1897 عند نقطة الحدود القائمة بين إثيوبيا والصومال الإيطالي (إريتريا)، نتيجة لموقف إثيوبيا ومساعدتها لبريطانيا في القضاء على الثورة المهدية في السودان.
يمكن القول إن الصراع الحدودي بين الصومال وإثيوبيا حول إقليم الأوغادين هو نزاع تاريخي قديم تعود جذوره إلى مؤتمر برلين عام 1884–1885، والذي تم فيه تقسيم القارة الأفريقية بين الدول الأوروبية، وكانت إثيوبيا من بين هذه الدول المشاركة في عملية تقسيم الصومال. وقد استطاعت إثيوبيا، بالاتفاق مع كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، أن تحتل منطقة هرر عام 1887، وساعدتها بريطانيا بمقتضى معاهدة 1897 لتخطيط الحدود بعد ضم إقليم الأوغادين إلى إثيوبيا، وتم تعيين حاكم إثيوبي على هذه المنطقة، ومنها بدأت التوسع نحو المناطق المجاورة والسيطرة عليها.
فلا غرو أن تكون بريطانيا هي السبب في قيام هذه المشكلة، فهي التي وضعت إقليم الصومال الغربي، الذي يُعرف بـ«أوغادين»، تحت السيطرة الإثيوبية، كمكافأة للأخيرة لمساندتها لبريطانيا في إخماد الثورة المهدية في السودان. وفي العام 1908، تم عقد اتفاقية بين إيطاليا وإثيوبيا، حصلت بموجبها الأخيرة على نفوذ واسع على حساب الأراضي الصومالية، وسُلِّمت حوالي خمسة آلاف كيلومتر مربع زيادة على ما نصت عليه اتفاقية 1897 مع بريطانيا.
وعلى إثر التوسع الإيطالي في المناطق التي تسيطر عليها إثيوبيا، تمت الاتصالات والمباحثات بين الطرفين، وأسفرت عن توقيع معاهدة عام 1908، تم بموجبها تعيين الحدود بين هاتين الدولتين بموازاة الساحل الصومالي وبطول 290 كم. ومن مرحلة ما بين الحربين، أصبحت منطقة القرن الأفريقي منطقة صراع بين الدول الاستعمارية، ولا سيما فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، إذ استطاعت القوات الإيطالية مهاجمة إثيوبيا والسيطرة عليها بالكامل بين عامي 1934 و1936، ومن ضمنها إقليم أوغادين وبربرة التابعة للصومال البريطاني، وأعلن موسوليني، رئيس وزراء إيطاليا (1922-1943)، في التاسع من أيار 1936 أن إثيوبيا أصبحت من المستعمرات الإيطالية.
لكن الاستعمار الإيطالي لم يدم طويلًا، إذ قامت الحرب العالمية الثانية وتمكنت بريطانيا من الانتصار على الإيطاليين عام 1941، واستولت على جميع الممتلكات الإيطالية في شرق أفريقيا، وأصبح الأمر كله بيد بريطانيا. وفيما يخص الصومال، فقد أبرمت بريطانيا اتفاقية مع إثيوبيا في الحادي والثلاثين من كانون الثاني عام 1942، تم بموجبها وضع منطقة الأوغادين تحت الإدارة العسكرية البريطانية، وجُددت الاتفاقية في التاسع عشر من كانون الأول عام 1944، إذ نصت على أن يستمر الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة الأوغادينية لمدة عشر سنوات، ثم تتخلى بريطانيا عنها لإثيوبيا في نهايتها.
وعلى ما يبدو، فإن بريطانيا عدّت منطقة الأوغادين من ضمن المناطق الإثيوبية قبل الاحتلال الإيطالي لها، متجاهلة أن هذه المنطقة هي في الأصل أراضٍ صومالية. وفي عام 1947، عادت إثيوبيا إلى أهلها، وعاد إمبراطورها هيلاسيلاسي إلى عرشه بعد أن كان هاربًا في بريطانيا، وأصبحت الأخيرة تسيطر على جميع الأراضي الصومالية باستثناء الصومال الفرنسي. وقبل انتهاء مدة السنوات العشر هذه، وتحديدًا في أيلول 1948، تنازلت بريطانيا لإثيوبيا عن الإشراف الإداري على الأوغادين، أي بعد مرور أربعة أعوام فقط على عقد الاتفاقية مع إثيوبيا.
ومن الضروري أن نشير إلى أن إيطاليا تنازلت، بموجب معاهدة الصلح التي عقدتها عام 1947 مع الدول الأوروبية، عن جميع مستعمراتها في شرق أفريقيا، ومن ضمنها الصومال الإيطالي. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي والعشرين من تشرين الأول عام 1949 قرارًا يقضي بأن ينال الصومال استقلاله بعد مدة عشر سنوات، وخلال هذه المدة يكون الصومال تحت الوصاية الدولية، وتكون إيطاليا هي المشرفة عليه إداريًا.
وبعد انتهاء مدة السنوات العشر للاتفاقية الموقعة بين بريطانيا وإثيوبيا في عام 1944، تم تجديدها في لندن عام 1954، وبموجبها تعهدت بريطانيا بإخلاء منطقة «هود وأوغادين» وتركهما لإثيوبيا، التي ستتولى إدارتهما فعليًا اعتبارًا من الثامن والعشرين من شباط العام 1955، وأكدت الاتفاقية على حق القبائل الصومالية في الرعي على جانبي الحدود، كما جعلت مدة الاتفاقية خمسة عشر عامًا. ولكن هذه الاتفاقية لم تستمر طويلًا، فبعد خمسة أعوام فقط، أُعلن استقلال الصومال البريطاني والإيطالي في ظل جمهورية الصومال، وأعلنت إثيوبيا من جانبها إلغاء اتفاقية عام 1954، وعدّت منطقة هود وأوغادين مناطق إثيوبية لا يمكن التنازل عنها لأحد.
النزاع العسكري بين الصومال وإثيوبيا:
أولًا: المواجهة الصومالية الإثيوبية الأولى عام 1964
مع استقلال الصومال عام 1960، سعت الدولة الجديدة إلى استكمال وحدة أراضيها، معتمدة على مبدأ تقرير المصير الذي يؤدي، حسب التصور الصومالي، إلى اقتطاع الجزء الغربي من إثيوبيا (الأوغادين)، والجزء الشمالي الشرقي من كينيا، فضلًا عن استعادة جيبوتي لتنضم إلى الصومال، تحقيقًا لمشروع الصومال الكبير. كانت إثيوبيا تعتمد في مواجهة ذلك على «مبدأ قدسية الحدود الأفريقية واحترامها»، وأكدت أن مبدأ تقرير المصير قُصد به الشعوب التي تحت حكم الدول الغربية والاستعمارية، وكان الصراع بين الدولتين يندلع في كل مرة في محاولة لفرض أي من المبدأين بالقوة المسلحة.
نصت المادة السادسة من الدستور الصومالي بعد الاستقلال على تحقيق وحدة كل الأراضي الصومالية بأقسامها الخمسة، وهذا يعني مطالبة إثيوبيا بإقليم الأوغادين. وقد شهدت منطقتا هود وأوغادين اشتباكات مع القوات الكينية والإثيوبية، ووضعت الأخيرة قواتها في حالة تأهب، وذلك نتيجة الاشتباكات التي جرت على الحدود مع الصومال، واستمرت حالة التوتر بين الدولتين طيلة عامي 1961 و1962، وسط حملات إعلامية وصحفية من كلا الجانبين.
حاولت الحكومة الصومالية خلال هذه المدة الحصول على دعم دول منطقة الوحدة الأفريقية للحصول على مطالبها، لا سيما في مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الأفريقية الأول، الذي عُقد في المدة من 23 إلى 28 أيار عام 1963 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، عندما طُرحت مشكلة النزاع الإثيوبي الصومالي، ولم يأخذ المؤتمر بوجهة النظر الصومالية لحل كل هذه المشكلة بالاعتماد على مبدأ تقرير المصير للأقاليم الصومالية في إثيوبيا وكينيا، وذلك بسبب إقرار ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية في يوم الخامس والعشرين من أيار عام 1963، والذي نص على «عدم المساس بالحدود الراهنة بين الدول الأفريقية»، كما أن قوة النظام الإثيوبي وتأثيره الواضح في منظمة الوحدة الأفريقية والمساندة التي حظيت بها من جانب كينيا وبعض الدول العربية.
ومع بداية شهر كانون الثاني عام 1964، تحولت الاشتباكات البسيطة على الحدود الصومالية الإثيوبية إلى حرب علنية بين الجانبين، وسط اتهامات متبادلة حول الدولة التي بدأت بالقتال، فاتهمت الحكومة الصومالية القوات الإثيوبية بشن هجوم بري واسع على المدن الصومالية ودخول تلك القوات إلى مدينة «فرفر» واحتلال قرى صومالية، مما حدا بالقوات الصومالية للرد على ذلك الهجوم، ونجحت حركة التحرير الصومالية في إعلان قيام حكومة مستقلة في إقليم الأوغادين، وسرعان ما امتدت نيران القتال إلى أكثر مناطق الحدود.
تطور النزاع حينما تقدمت إثيوبيا وكينيا بشكوى مشتركة ضد الصومال إلى مجلس وزراء منظمة الوحدة الأفريقية، أثناء دورة انعقاد غير عادية في العاصمة التنزانية دار السلام من 12 إلى 15 شباط 1964، فأصدر المجلس قرارًا بوقف القتال بين الدولتين والشروع في مفاوضات تسوية النزاع القائم.
وجرت محادثات في 11 تموز 1964 بين وزيري خارجية إثيوبيا والصومال في القاهرة، للبحث عن تسوية سلمية لأزمة الحدود، وأسفرت عن إحالة القضية إلى مؤتمر رؤساء الدول الأفريقية المقرر عقده بالقاهرة للمدة من 17 إلى 21 تموز، وفي 17 تموز 1964 أصدر مؤتمر القمة الأفريقي قرارًا خاصًا بمنازعات الحدود بين الدول الأفريقية، نص على احترام الحدود الراهنة للدول الأفريقية.
من الواضح أن هناك عدة عوامل أدت إلى تجميد الصراع الإثيوبي الصومالي خلال تلك المدة، منها الجهود التي بذلتها منظمة الوحدة الأفريقية للحيلولة دون تطور النزاع إلى حرب واسعة، مع حداثة تأسيسها، والتي حظيت بدعم قوي من دول أفريقيا المستقلة. كما أن الوضع الدولي لم يكن يسمح بشن أي حرب حول الحدود من هذا النوع، فقد جرت حرب الأوغادين في الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتطلعان إلى الحد من الحرب الباردة القائمة في أوروبا. ولهذا، عندما تقدمت الصومال في شباط 1964 بشكوى ضد إثيوبيا تطالب بعقد جلسة لمجلس الأمن، جاء الرد من الأمين العام للأمم المتحدة بضرورة حل النزاع بالوسائل السلمية وفي إطار منظمة الوحدة الأفريقية.
أثبتت المواجهة أن الوضع العسكري للصومال لم يكن يسمح لها بمواصلة القتال لمدة طويلة، فقد برز خلال المعارك تفوق الجيش الإثيوبي من حيث التجهيز والتدريب، بفضل المعونة الأمريكية والأوروبية التي لطالما تدفقت على الإمبراطورية الإثيوبية. كما أن إغلاق قناة السويس عام 1967 ضاعف من حدة الركود الاقتصادي في الصومال، مما أدى إلى هبوط ملموس في حجم الصادرات الصومالية. أما في الجانب الإثيوبي، فقد شهدت هذه المدة بداية تصاعد القتال في إريتريا ضد القوات الإثيوبية، مع افتقاد الحكومة الإثيوبية القدرة على قمع حركة التحرر الوطنية في إريتريا، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع العامة داخل الإمبراطورية الإثيوبية.
أدت هذه العوامل مجتمعة إلى وقف النزاع الصومالي الإثيوبي مدة أربعة عشر عامًا، ليتجدد النزاع مرة أخرى في العام 1987.
المواجهة الإثيوبية الصومالية الثانية 1978
أولًا: العوامل الممهدة لعودة الصراع من جديد
مع نهاية عام 1969، طرأت عوامل جديدة أدت إلى حدوث تغيير في ميزان القوى وإلى تصاعد النزاع بين إثيوبيا والصومال. ففي الصومال حدث انقلاب عسكري يوم الثالث من تشرين الثاني عام 1969، قاده الجنرال محمد سياد بري، تلاه الإعلان عن نظام جديد مستلهم من الاشتراكية العلمية، قائم على تعبئة جماهيرية واسعة ووضع سياسة اقتصادية تعتمد أسس الاشتراكية. أدت هذه التحولات في الصومال إلى زيادة الإنفاق الحكومي على شؤون الدفاع والتسليح، لا سيما مع الدعم السوفيتي، على نحو يمكن القول معه إن القوة الجوية في الصومال تمتلك أعلى قدرة قتالية في أفريقيا، فضلًا عن قوات برية مجهزة تجهيزًا عاليًا، وهو ما كان من نتاجه اختلال التوازن العسكري في منطقة القرن الأفريقي، مما أكسب الصومال في أواسط السبعينيات من القرن العشرين مكانة مهمة بين دول أفريقيا. فلا عجب أن يُعقد مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية في مقديشو في حزيران 1974، وانتُخب محمد سياد بري رئيسًا له.
في الوقت نفسه، شهدت إثيوبيا تحولات لا تقل أهمية عما حدث في الصومال، ففي شباط 1974 شهدت الإمبراطورية الإثيوبية حركات تمرد عسكري تطورت إلى ثورة كبيرة أدت في النهاية إلى عزل الإمبراطور هيلاسيلاسي، وقيام حكم جمهوري ثوري يوم 12 أيلول 1974، خاض سلسلة من التصفيات الدامية، حتى استقر الحكم للعقيد منغستو هيلا مريام. ولا بد من الإشارة إلى أنه خلال هذه المدة تصاعد القتال في إقليم إريتريا المحتل ضد الوجود الإثيوبي، والذي كان يستنزف قدرات عسكرية واقتصادية هائلة من الحكومة الإثيوبية.
كان لمشكلة النفط دور كبير في توتر العلاقات بين الدولتين، إثيوبيا والصومال، ففي شباط 1972 شرعت شركة أمريكية في أعمال حفر آبار نفطية في منطقة الأوغادين من الجانب الإثيوبي، في مدينة «تينيكو» التي تضم كميات كبيرة من النفط، وهذه المدينة تبعد حوالي 30 ميلًا عن الحدود الصومالية. ولضمان أمن هذه الشركة، حشدت الحكومة الإثيوبية قوات عسكرية قرب الحدود مع الصومال، الأمر الذي أثار الحكومة الصومالية التي بادرت إلى حشد قوات مماثلة على حدودها، ولم تفلح المحادثات التي جرت بين الطرفين في عام 1973 وبداية 1974 في إنهاء هذا التوتر، ولا سيما بعد منع القوات الإثيوبية الرعاة الصوماليين من التزود بالمياه من هذا الإقليم. إلا أن التغيير السياسي الذي حدث في إثيوبيا في عام 1974، وانشغال الإثيوبيين بإخماد حركة التحرير في إريتريا، فضلًا عن عوامل دولية أخرى، حالت دون قيام نزاع مسلح بين الطرفين.
كانت الحكومة الصومالية متفائلة من وصول الجيش إلى السلطة في إثيوبيا وإعلانهم إثيوبيا جمهورية اشتراكية، والدعم الذي يحظى به الطرفان من الاتحاد السوفيتي، دفعت كل هذه العوامل الحكومة الصومالية إلى الاعتقاد بأن الوضع الجديد من الممكن أن يؤدي إلى حل جذري لمشكلة الأوغادين. إلا أن التفاؤل الصومالي سرعان ما تبدد مع رفع الحكومة الإثيوبية علم التشدد المطلق تجاه الحركات الانفصالية في إريتريا والأوغادين، وأعلنت أنها ستسحق هذه الحركات بقوة السلاح.
كانت الحكومة الصومالية قد دعمت «جبهة تحرير الصومال الغربي» وأمدتها بالسلاح لمواجهة القوات الإثيوبية، وفي بداية آب من العام نفسه تمكنت جبهة تحرير الصومال الغربي من قتل أكثر من 1500 عسكري إثيوبي في إقليم الأوغادين، واتهمت الحكومة الإثيوبية الحكومة الصومالية بأنها قدمت المساعدات العسكرية لقوات جبهة تحرير الصومال الغربي، إلا أن هذا الاتهام نفته الحكومة الصومالية، وأعلنت في 12 آب 1977 أن جبهة تحرير الصومال الغربي وحدها من يقاتل في إقليم الأوغادين.
ومع تطور النزاع في إقليم الأوغادين والمساعدة التي حصلت عليها إثيوبيا من كوبا، التي أرسلت أكثر من 15 ألف مقاتل إلى الأوغادين، بالإضافة إلى خبراء عسكريين كوبيين وضباط من رتب مختلفة يشرفون على وضع الخطط العسكرية، أدت هذه التطورات إلى إعلان الرئيس الصومالي محمد سياد بري في 16 آب أن بلاده ستتدخل في النزاع القائم في الأوغادين إذا ثبت اشتراك جنود أجانب في المعارك الجارية في الإقليم.
وبعد أن تأكدت الحكومة الصومالية من الدعم الذي قدمه الاتحاد السوفيتي إلى إثيوبيا في المجالات العسكرية والاقتصادية، أدى هذا الأمر إلى حدوث أزمة في العلاقات الصومالية السوفيتية انتهت بطرد أكثر من 1500 خبير سوفيتي من الصومال يوم 13 تشرين الثاني 1977، لتدخل الصومال في حرب جديدة مع إثيوبيا حول إقليم الأوغادين.
ثالثًا: المواجهة العسكرية
ومع وجود هذه الاتهامات بين طرفي النزاع، وعدم الرغبة في إيجاد تسوية سلمية، والدعم الذي حظي به كل طرف، استمر النزاع العسكري بين الدولتين. وفي نهاية عام 1977، تمكنت قوات جبهة تحرير الصومال الغربي، التي كانت تخفي وراءها عملية الجيش النظامي الصومالي، من اكتساح معظم القرى والمدن في الأوغادين، واستطاعت تحرير أكثر من 100 مدينة ومركز هام، وأكثر من 90% من مساحة الإقليم، بينما تراجعت القوات الإثيوبية إلى العاصمة أديس أبابا.
لكن هذا الوضع سرعان ما تغير، إذ تحولت القوات الإثيوبية من جانب الدفاع إلى جانب الهجوم، محاولة استعادة هذا الإقليم، لا سيما بعد المساعدات الكبيرة التي حصلت عليها من كوبا والاتحاد السوفيتي بداية عام 1978، وهو ما أكده الرئيس هيلا مريام في الثاني من آذار 1978 بوجود قوات كوبية تقاتل بجانب القوات الإثيوبية.
بدأت خطة الهجوم الإثيوبي المضاد في بداية شباط 1978، بضربات جوية مكثفة على مواقع الثوار في إقليم الأوغادين، تبعتها غارات جوية داخل العمق الصومالي، والتي تمثلت في ضرب ميناء بربرة ومنطقة «هارجيسا»، أكبر المدن في الشمال الصومالي والمركز الرئيسي لدعم ثوار جبهة تحرير الصومال الغربية. وبالتنسيق مع هذا الهجوم الجوي، بدأت القوات الإثيوبية المحاصرة في مدينتي «دير داوا» و«هرر» بهجوم مضاد على القوات الصومالية وقوات جبهة تحرير الصومال الغربي، مما أجبر تلك القوات على الانسحاب، تحت الضغط العسكري الإثيوبي، من إقليم الأوغادين.
وكان للمساعدة التي حصلت عليها القوات الإثيوبية من الاتحاد السوفيتي وكوبا الدور المهم في تحقيق الانتصارات الإثيوبية، ويكفي أن نشير إلى أن النائب الأول لقائد القوات البرية السوفيتية، الجنرال «بتروف»، كان قائد العمليات العسكرية الإثيوبية التي استطاعت إجبار القوات الصومالية على الانسحاب داخل أراضيها بعد معركة «جيكجيكا» والسيطرة التامة على الأوغادين.
وعلى الرغم من إعلان إثيوبيا في 5 آذار 1978 سيطرتها الكاملة على إقليم الأوغادين، واعتراف الحكومة الصومالية بسيطرة إثيوبيا على هذا الإقليم، فإن التوتر في العلاقات بين الدولتين استمر، واستمرت المناوشات على الحدود. وأعلن هيلا مريام في 25 أيار 1978 شن حرب على الصومال إذا لم تتوقف عن دعم ثوار الأوغادين، وفشلت كل جهود الوساطة التي قامت بها منظمة الوحدة الأفريقية لحل النزاع، واستمر كل طرف بالتمسك بشروطه لتسوية النزاع.
فطالب الجانب الإثيوبي بضرورة تخلي الصومال عن أي مطلب إقليمي في الدول المجاورة، ودفع تعويضات الحرب الثانية، وضرورة التزام الصومال بحل المنازعات بالطرق السلمية واحترامها لمواثيق منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة. أما الشروط التي طرحها الصومال، فهي التأكيد على الالتزام بمبدأ تقرير المصير للصوماليين في إقليم الأوغادين.
ومع تعنت كل طرف في شروطه، استمر النزاع بين الدولتين حول هذه المنطقة، وكان سببًا في توتر العلاقات بينهما. والملاحظ أن حرب الأوغادين الثانية 1978 لا تشكل، من وجهة نظر العرف الدولي، حربًا علنية قائمة بين دولتين، بالرغم من كل الاتهامات المتبادلة بين الدولتين، بل إنها أشبه بحركة انفصالية داخل إثيوبيا.






















