يكفي أن يمر المرء بالقرب من وكالة البلح في قلب القاهرة في أي يوم ليلحظ مشهداً لم يكن مألوفاً قبل عقد من الزمن، فإلى جوار النساء اللواتي يفتشن بين أكوام الأقمصة والمعاطف عن قطعة تقي أولادهن برد الشتاء بأقل كلفة ممكنة، يقف شبان وشابات قادمون من التجمع الخامس والشيخ زايد يحملون هواتفهم ويصورون ما يعثرون عليه من سترات جلدية وقمصان رياضية قديمة ويتبادلون عبارات عن الندرة والأصالة والخامة التي لم تعد تصنع، وكأن المكان الذي كان ملاذاً للعوز قد أعيد تعريفه بوصفه متحفاً شعبياً مفتوحاً للذوق الرفيع، ومع أن المشهد يبدو في ظاهره بريئاً بل ومحموداً في عيون من يرون فيه انتصاراً للاستدامة على ثقافة الاستهلاك السريع، فإن تأمله بعين ناقدة يكشف مفارقة طبقية عميقة تتجاوز الملابس نفسها لتطال علاقتنا بالفقر وبالأزمة وبالصورة التي نحب أن نرى بها أنفسنا.
ولفهم هذا التحول لا بد من العودة إلى أصل الحكاية، فالبالة في صورتها المعروفة لم تولد من ذوق ولا من وعي بيئي، بل خرجت من فائض عالمي تراكمت أطنانه في مستودعات الجمعيات الخيرية ومراكز الفرز في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهناك تتحول ملابس المتبرعين إلى بضاعة تباع بالوزن لوسطاء يشحنونها في بالات مضغوطة نحو موانئ الجنوب. وفي مصر اتخذت هذه التجارة مساراً ملتوياً، فالقانون يمنع استيراد الملابس المستعملة بدعوى حماية المصانع الوطنية، غير أن البالات تصل عبر التهريب والتحايل الجمركي وتفتح في أسواق معروفة بالقاهرة والإسكندرية وطنطا وغيرها، ويشتريها التجار الصغار كما تشترى الصناديق المغلقة، فيعرفون أن فيها الغث والسمين وأن الحظ يلعب دوره في الربح والخسارة. وصارت التجارة على مدى عقود جزءاً ثابتا ًمن اقتصاد الظل، تكسو ملايين الأسر التي لا تقوى جيوبها على أسعار المحلات النظامية، وتعيل شبكة واسعة من الحمالين والفارزين والباعة الجائلين، دون أن يلتفت إليها خطاب رسمي إلا بوصفها مخالفة تستحق الملاحقة.
ثم جاءت الأزمات فغيرت الخريطة، إذ دفع تعويم الجنيه في نهاية عام 2016 وموجات خفض قيمته المتلاحقة بين 2022 و2024 مع ارتفاع الأسعار وتآكل الأجور شرائح كاملة من الطبقة الوسطى المصرية إلى حافة الحساب اليومي، فصار موظف الحكومة والمعلمة وطالب الجامعة يفكرون في ثمن القميص كما يفكرون في ثمن الدواء، ووجدت هذه الشرائح في أسواق البالة مخرجاً مألوفاً لكنه محفوف بالحرج، لأن الذهاب إليها كان يعني الاعتراف العلني بالهبوط الاجتماعي، وهو اعتراف تقاومه الطبقة الوسطى بطبيعتها لأنها تبني هويتها على مسافة تفصلها عن الفقر. وهنا ظهر الدور الذي أداه خطاب ال “Vintage الفينتدج” أي الشئ الذي ينتمي إلى حقبة زمنية سابقة ، فقد منح هذه الشرائح لغة جاهزة تحول الاضطرار إلى اختيار والنقص إلى ذوق، وصار بوسع من يشتري سترة من سوق شعبي أن يقول إنه يفعل ذلك انحيازاً للبيئة وللأصالة، لا لأن راتبه لم يعد يكفي لمتجر في المول، وفي هذا التحويل اللغوي راحة نفسية كبيرة، ولا يخلو من مفارقة، إذ إن الخطاب الذي يمجد الاختيار الحر يصمت عن الأسباب التي أغلقت الخيارات الأخرى.
وللمسألة وجه نفسي واجتماعي لا يقل أهمية عن وجهها الاقتصادي، فالأجيال التي كبرت على البالة في الأحياء الشعبية تحمل لها ذاكرة مشوبة بالخجل، ذاكرة الأم التي تنتقي لابنها معطف المدرسة قبل أن يستيقظ الشارع، والطفل الذي يتعلم مبكراً ألا يخبر زملاءه من أين جاء قميصه، والمثل الشعبي الذي يهمس بأن ثياب الغرباء تحمل حظهم، وكل هذه التفاصيل الصغيرة التي صاغت إحساساً بالدونية لدى فئات كاملة لا يلتفت إليها الجيل الجديد المحتفي بمتعة الصيد والعثور على الكنز المخبأ، فتتحول تجربة الفقر المهينة عند أصحابها إلى لعبة بحث ممتعة عند غيرهم، ويصبح الإحراج القديم مادة للمفاخرة الجديدة، دون أن يسأل أحد أصحاب الذاكرة الأولى عما إذا كانوا يرون في هذه الاحتفالية احتراماً لتاريخهم أم سخرية منه.
ولم تنشأ هذه اللغة من فراغ، فهي مستوردة في جانب كبير منها من ثقافة غربية سبقتنا إليها بعقود، بدأت بشبان الهامش الموسيقي في مطلع التسعينيات الذين ارتدوا ثياب المحلات الخيرية تمرداً على أناقة الاستهلاك، ثم تحولت إلى نمط حياة تروج له منصات إعادة البيع الرقمية وحسابات المؤثرين. وقد وصلت العدوى إلى القاهرة عبر الشاشات قبل أن تصل عبر الأسواق، فظهرت في مصر صفحات على إنستجرام وفيسبوك تبيع ما تسميه قطعاً منتقاة، وبازارات في الجامعات الخاصة والأندية والأحياء الراقية كالزمالك والمعادي تعرض ثياباً مستعملة بوصفها تجربة عصرية، فصار الشاب القاهري يشاهد أقرانه في لندن ونيويورك يعرضون غنائمهم فيستعيد المشهد في بيئته دون أن ينتبه إلى أن ما يسميه هناك خياراً مترفاً هو هنا حاجة عاشتها أمه وجدته بصمت، وأن الفارق بين التجربتين لا يكمن في القطعة المشتراة بل في الموقع الطبقي لمن يشتريها.
وتزيد المنصات الرقمية الأمر تعقيداً، فخوارزمياتها تكافئ الصورة الجذابة والاستعراض المتكرر، ولذلك انتشرت مقاطع تسمى جولات الغنائم يصور فيها صاحبها عشرات القطع التي اشتراها بثمن زهيد ثم يعرضها أمام جمهور ينتظر الجديد كل أسبوع، وتصور أحياناً وجوه الباعة والفارزين بوصفها لوناً محلياً يضفي طابعاً أصيلاً على المشهد دون استئذان ولا مقابل، فيتحول الفقر إلى مادة محتوى تدر الإعلانات والإعجابات على من يصنعه ولا يصل منها شيء إلى أصحابه، وهذه الصورة تعيد إنتاج نظرة سياحية إلى حياة الآخرين، نظرة تزور الهامش لتلتقط منه ما يزين الملف الشخصي ثم تعود سريعا إلى مأمنها.
أما حجة الاستدامة التي تتصدر هذا الخطاب فتستحق وقفة أطول لأنها الأكثر إقناعاً والأقل فحصاً، فمن المؤكد أن إطالة عمر القطعة الواحدة تخفف الضغط على موارد المياه والطاقة التي تستنزفها صناعة الأزياء السريعة، لكن الأثر البيئي لا يقاس بنوع القطعة وحده بل بحجم ما يشترى منها، وقد بينت تجارب كثيرة أن الأسعار المنخفضة تشجع على الشراء المتكرر، فيعود المتسوق بكيس ممتلئ يبرر امتلاءه بأنه أنقذ ثياباً من المكب، وهكذا يتحول التسوق من المستعمل من بديل عن الاستهلاك المفرط إلى غطاء أخلاقي له. ولا يجوز أن ننسى أن الفائض الذي يصدره الشمال إلى الجنوب هو نفسه نتاج استهلاك سريع في بلدانه، وأن نسبة معتبرة من هذه البالات لا تصلح للبيع فتنتهي في المكبات وعلى الشواطئ في بلدان فقيرة تتحمل عبء النفايات دون أن تنال شيئاً من أرباح التصميم والعلامات، فنحن أمام شكل من الاستعمار البيئي يعاد تلميعه بشعار التدوير.
والمفارقة الأقسى أن الموضة عندما تنزل إلى السوق تغيره من الداخل، فهناك من يترصدون وصول البالات فجراً ويفتحونها قبل أن يبلغها الزبائن المعتادون، ويفرزون ما يصلح لشاشات التواصل من ماركات قديمة وقطع نادرة، ثم يعرضونها في صفحاتهم بأسعار تتضاعف، فقطعة تشترى بعشرات الجنيهات في الوكالة تعرض بمئات بعد تصويرها بإضاءة مدروسة وكتابة وصف يحيلها إلى قطعة تراثية، فتبقى للفقراء الأكوام الأقل بريقا، وترتفع أسعار ما كان زهيداً بفعل منافسة من يملكون القدرة على الدفع، وهذه العملية تشبه ما تعرفه الأحياء الشعبية من موجات الترقية العمرانية التي تطرد سكانها الأصليين باسم التجديد، ولذلك يصح أن نسميها ترقية طبقية للمستعمل، إذ يستولي ذوق الأغنى على مورد الأفقر ثم يبيعه إليه بأضعاف ثمنه أو يحرمه منه نهائياً، ويتراجع معها التاجر الذي كان يعرف زبائنه بالاسم ويحجز لهم ما يناسب مقاس أطفالهم لصالح من يدفع أكثر أو يصوره في صفحته.
وخلف الأسعار تقف بنية رمزية أعمق، فقد أوضح عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu بيير بورديو قبل عقود أن الذوق ليس ميلاً فطرياً بريئاً بل أداة تمييز تستعملها الطبقات لترسم حدودها، وأن القدرة على الاستخفاف بالمظاهر ذاتها شكل رفيع من أشكال التفوق، وما يفعله جيل “الفينتدج” في القاهرة هو هذا بالضبط، إذ يرتدي ما يشبه ثياب الفقراء وهو مطمئن إلى أن أحداً لن يخطئ في تصنيفه، لأن الجامعة الدولية والكمبوند والسيارة ولكنة الكلام كلها قرائن تقول إن الفقر هنا أداء مسرحي وليس قدراً. ولهذا نجد القطعة الواحدة تحمل معنيين متضادين بحسب من يلبسها، فهي عند الشاب الذي يصور نفسه أمام مرآة المقهى علامة جرأة وثقافة، وهي عند العامل الذي يرتدي المعطف نفسه دليل حاجة يقابل بالإشفاق أو بالازدراء، وكأن المجتمع لا يقرأ الثوب بل يقرأ جيب صاحبه.
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل الظاهرة في وجهها الاستعراضي، فالإقبال الجديد على المستعمل فتح أبواباً لم تكن مطروقة، إذ نشأت مشاريع صغيرة يديرها شبان وشابات يشترون ويصلحون ويعيدون تصميم القطع، وخرجت مهن الخياطة والتطريز من ركودها بفضل من يريدون تعديل ثوب قديم، وعرفت أسواق البالة زبائن جدداً رفعوا دخل التجار والعاملين فيها، وبدأ نقاش عام عن كلفة الأزياء السريعة ما كان ليحدث لولا هذه الموجة، كما أن بعض الشباب يمارس هذا الخيار بصدق ويقتطع من ميزانيته ليشتري أقل وأطول عمراً. غير أن هذه الجوانب المضيئة لا تلغي أن الصناعة الكبرى التقطت الظاهرة سريعاً، فأطلقت علامات عالمية خطوطاً تبيع فيها مظهر القدم مصطنعا بقماش جديد وتمزيق مقصود، وصارت منصات إعادة البيع الفاخرة تعرض معاطف مستعملة بآلاف الدولارات، فتكتمل دورة تبدأ بالفقر وتنتهي بسلعة مترفة تباع لمن لم يعرف الفقر يوماً.
ولا تكتمل الصورة دون الالتفات إلى موقع الصناعة المحلية في هذه المعادلة، وهو موقع يحمل في مصر مفارقة خاصة، فهذا بلد عرف العالم قطنه الطويل التيلة وبنى في المحلة الكبرى واحدة من أكبر قلاع النسيج في المنطقة، ومع ذلك يكتسي أبناؤه من فائض الآخرين، وقد رأت الدولة أن الحل في المنع والملاحقة، فلم تنجح في توفير بديل بسعر معقول وبقيت التجارة تتغذى على التهريب، وتعثرت المصانع بين ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع الجودة وتقلب سعر الصرف. وفي المقابل يرفع خطاب الأصالة الجديد شعار دعم الصغار وهو يشتري ما صنعه عمال مصانع آسيا قبل أن يمر بخزائن الغرب، فلا يمس اقتصاد الإنتاج المحلي ولا يمنح الخياط والنساج شيئاً.
إن ما يستدعي النقد إذن ليس أن يلبس الناس ثياباً مرت بأجساد أخرى، فهذا سلوك قديم قدم الإنسان وليس فيه ما يخجل، بل أن تتحول أزمة اقتصادية بنيوية إلى أسلوب حياة يجري تسويقه وتجميله، فيخف الإحساس بالعطب العام ويتراجع السؤال عن الأجور والأسعار وسياسات التجارة التي جعلت الاستعمال الثاني للثياب ضرورة لملايين المصريين، وتتسع الهوة بين من يتسوق من البالة لأنه لا يملك غيرها ومن يتسوق منها لأنه يستطيع تدبير غيرها ويحب أن يرى نفسه واعياً وأنيقاً في آن. وفي مواجهة ذلك لا ندعو إلى مقاطعة الأسواق ولا إلى جلد الشباب، بل إلى صدق أكبر في توصيف ما نفعله، يبدأ بالاعتراف بأن تسليع الفقر ليس تضامناً معه، ويمر بتخفيف الشراء ذاته لا بتغيير مصدره فقط، وينتهي بترك هذه الأسواق في متناول من لا بديل لهم عنها، لأن الأناقة الحقيقية قد تكون في ألا نزاحم أحداً على معطفه.






















