بينما تتجه الاستثمارات العقارية نحو المدن الجديدة، تبرز تجربة التجمع الخامس كنموذج واضح على أن بناء مجتمع عمراني متكامل لا يتحقق بمجرد تنفيذ المشروعات، وإنما يحتاج إلى سنوات من النمو التدريجي واستكمال السكان والخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وتكشف المقارنة بين التجمع الخامس والعاصمة الإدارية الجديدة عن اختلاف كبير في طريقة نشأة كل منهما؛ فبينما بدأ التجمع تدريجيًا واستغرق نحو عقدين للوصول إلى صورته الحالية، انطلقت العاصمة الإدارية منذ البداية بحجم كبير ومشروعات ضخمة، ما يجعلها أمام رحلة مختلفة نحو الوصول إلى مرحلة النضج العمراني.
التجمع الخامس.. من الصحراء إلى مجتمع عمراني متكامل
قال المعماري وائل السمان المدير التنفيذي لشركة سمارك، إن التجمع الخامس كان في بداياته منطقة صحراوية، موضحًا أنه انتقل للإقامة به عام 2003 بعد أن كان يعيش في مدينة نصر، بحثًا عن الهدوء والمساحات الأكبر والأسعار الأقل.
وأوضح السمان، أن التجمع في ذلك الوقت لم يكن بالصورة التي يظهر عليها حاليًا، مشيرًا إلى أن أسعار العقارات كانت أقل من مدينة نصر، حتى إن قيمة شقة واحدة في مدينة نصر كانت تتيح في بعض الحالات شراء شقتين في التجمع.
وأشار وائل، إلى أن هذا الفارق السعري شجع شريحة من الطبقة المتوسطة على الانتقال إلى التجمع، والاستفادة من انخفاض الأسعار لشراء مساحات أكبر، وهو ما ساهم في تكوين قاعدة سكانية ساعدت على نمو المنطقة تدريجيًا.
20 عامًا صنعت الفارق
وأوضح السمان، أن التجمع الخامس احتاج إلى سنوات طويلة حتى يتحول من منطقة شبه صحراوية إلى مجتمع عمراني متكامل، لافتًا إلى أن الفترة بين عامي 2003 و2026 تكشف حجم التطور الذي شهدته المنطقة.
وأكد المعماري وائل، أن المدن الجديدة لا تتشكل فقط من خلال تنفيذ المباني، وإنما تحتاج إلى نمو السكان وظهور الخدمات والأنشطة التجارية وتكوين مجتمع قادر على تحقيق حركة اقتصادية وعمرانية مستمرة.
وأضاف السمان، أن التجمع استفاد من هذا النمو التدريجي، حيث بدأت المنطقة باستقطاب السكان ثم توسعت الخدمات والأنشطة بالتوازي مع زيادة الإقبال عليها.
العاصمة الإدارية.. بداية مختلفة عن التجمع
وفي المقابل، بدأت العاصمة الإدارية الجديدة من نقطة مختلفة، إذ انطلقت بحجم كبير ومشروعات ضخمة منذ البداية، على عكس التجمع الخامس الذي نما بصورة تدريجية.
وأوضح السمان، أن التجمع «بُني على الطبقة المتوسطة التي كل شوية عايزة تكبر نفسها»، بينما بدأت العاصمة بحجم كبير، وهو ما يعني أنها لم تمر بالتدرج الطبيعي نفسه الذي شهدته تجربة التجمع.
وأشار وائل، إلى أن اختلاف طريقة النشأة لا يعني أن العاصمة لن تحقق أهدافها، وإنما يجعلها بحاجة إلى فترة زمنية حتى تستقر ملامحها العمرانية والسكانية والخدمية.
الامتداد الطبيعي لشرق القاهرة
ويرى السمان، أن العاصمة الإدارية الجديدة تمثل امتدادًا طبيعيًا للتجمع الخامس، خاصة مع تراجع الأراضي المتاحة للتوسع داخل التجمع.
وأوضح المعماري وائل، أن التجمع نفسه وصل إلى مرحلة أصبحت فيها الأراضي المتاحة محدودة، وبالتالي فإن انتقال النشاط العمراني والاستثماري إلى مناطق جديدة يمثل مسارًا طبيعيًا للنمو العمراني في شرق القاهرة.
وأكد السمان، أن تطور العاصمة الإدارية سيكون مرتبطًا أيضًا بالنمو الذي تشهده المناطق المحيطة بها، سواء من حيث السكان أو الاستثمارات أو الخدمات والأنشطة المختلفة.
المدن الجديدة لا تنضج بين ليلة وضحاها
وشدد وائل، على أن العاصمة الإدارية تحتاج إلى الوقت حتى تصل إلى الصورة المستهدفة، مؤكدًا أن المدن الجديدة لا يمكن أن تنضج في فترة قصيرة.
واستشهد وائل، بتجربة التجمع الخامس، التي احتاجت نحو 20 عامًا حتى تتحول إلى المنطقة التي يعرفها السوق حاليًا، مشيرًا إلى أن العاصمة تحتاج بدورها إلى فترة حتى تكتمل عناصر المدينة وتتشكل الحياة اليومية بها.
وأكد السمان، أن «العاصمة هتيجي هتيجي»، لكنها تحتاج إلى وقت، موضحًا أن المرحلة الحالية يجب أن تركز على استكمال التطوير ومعالجة التحديات التي تظهر مع نمو المدينة، بدلاً من إصدار أحكام مبكرة على التجربة.
وتعكس المقارنة بين التجمع الخامس والعاصمة الإدارية أن نجاح المدن الجديدة لا يرتبط فقط بسرعة تنفيذ المشروعات أو حجم الاستثمارات، وإنما بقدرتها على جذب السكان وتكوين مجتمع متكامل واستكمال الخدمات والأنشطة على مدار سنوات.






















