يشهد السوق العقاري خلال الفترة الأخيرة نقاشا متزايدا حول كيفية إعادة ترتيب أولويات المطورين، في ظل ارتفاع تكاليف التنفيذ وتباطؤ حركة المبيعات وزيادة المعروض في بعض المناطق والشرائح، بما يدفع إلى البحث عن آليات أكثر كفاءة لتوجيه السيولة وتحقيق التوازن بين التوسع والاستثمار في المشروعات القائمة.
وتبرز ضمن هذه الرؤى دعوة للمطورين إلى إعادة النظر في حجم الإنفاق على الإعلانات واللافتات والفعاليات، وتوجيه جزء أكبر من هذه المخصصات إلى الإنشاءات وتحسين جودة المشروعات، بالتزامن مع مقترحات لتنظيم وتيرة طرح الأراضي وربطها باحتياجات السوق وقدرة الشركات على التنفيذ.
توجيه الإنفاق نحو البناء وتحسين المنتج
ويقوم المقترح الخاص بالإنفاق التسويقي على أن جودة المنتج العقاري والالتزام بالتنفيذ والتسليم يمكن أن يتحولا إلى أداة تسويقية مستدامة للمطور، من خلال بناء سمعة قوية وتعزيز ثقة العملاء.
ولا يستهدف هذا الطرح إلغاء الإعلانات أو أدوات التسويق، وإنما إعادة النظر في حجم الإنفاق عليها، بحيث لا يأتي على حساب الإنشاءات وجودة التنفيذ، خاصة أن العميل في النهاية لا يشتري حملة إعلانية، وإنما يشتري منتجًا عقاريًا يفترض أن يحافظ على قيمته ويحقق له احتياجاته الاستثمارية أو السكنية.
ضبط الطروحات وربطها بقدرة السوق
وبالتوازي مع ذلك، برزت دعوات إلى إعادة النظر في وتيرة طرح الأراضي والمشروعات الجديدة، في ظل المخاوف من زيادة المعروض بوتيرة أسرع من قدرة السوق على استيعابه.
ويستند هذا الاتجاه إلى ضرورة أن تكون الطروحات أكثر تنظيمًا وانتقائية، وأن ترتبط باحتياجات كل مدينة وحجم الطلب الفعلي، إلى جانب قدرة المطورين على تحويل الأراضي إلى مشروعات يتم تنفيذها وتسليمها في المواعيد المحددة.
كما يهدف ضبط الطروحات إلى منح السوق مساحة لالتقاط الأنفاس واستيعاب المشروعات والأراضي التي سبق طرحها، بدلًا من استمرار التوسع في المعروض دون النظر بصورة كافية إلى معدلات المبيعات والتنفيذ.
من المنافسة على البيع إلى المنافسة على التنفيذ
وتضع هذه الرؤى المطورين أمام معادلة جديدة في إدارة موارد الشركات، تقوم على تحقيق التوازن بين الإنفاق التسويقي والتطوير الفعلي للمشروعات.
فالمنافسة العقارية لم تعد مرتبطة فقط بحجم الحملات الإعلانية أو عدد المشروعات المطروحة، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بجودة المنتج، وسرعة التنفيذ، والالتزام بالتسليم، وقدرة الشركة على بناء علاقة مستدامة مع العميل.
جودة المشروعات بوابة لاستعادة ثقة العملاء
وتكتسب جودة التنفيذ أهمية أكبر في ظل ارتفاع وعي العملاء وتزايد اهتمامهم بقدرة المطور على الوفاء بالتزاماته، وليس فقط بالأسعار وأنظمة السداد والعروض الترويجية.
ومن هذا المنطلق، فإن توجيه جزء أكبر من الموارد إلى البناء يمكن أن يمثل استثمارًا طويل الأجل في سمعة المطور وقيمة مشروعاته، خاصة أن المشروع الذي يتم تنفيذه بجودة ويلتزم بمواعيد التسليم يمكن أن يتحول إلى عنصر جذب للعملاء دون الاعتماد بصورة كاملة على الإنفاق الإعلاني.
وفي المقابل، فإن تنظيم الطروحات وربطها بالطلب الحقيقي وقدرة المطورين على التنفيذ يمكن أن يساعد في تحقيق توازن أكبر بين حجم المعروض وحجم الطلب، بما يدعم استقرار السوق ويعزز قدرة الشركات الجادة على الاستمرار.
وتشير مجمل هذه المقترحات إلى أن المرحلة المقبلة قد تتطلب انتقال السوق من التركيز على زيادة حجم المبيعات والطروحات إلى التركيز بصورة أكبر على جودة المنتج، وكفاءة الإنفاق، وسرعة التنفيذ، وحماية قيمة الاستثمار العقاري، وهي عوامل يمكن أن تصبح أساسًا أكثر استدامة للمنافسة داخل السوق.
اقرا ايضا: محمد رزق: تنظيم السوق العقاري ضرورة لتحقيق التوازن بين حماية المواطنين ودعم الشركات الجادة





















