في ذكرى ميلاد زعيم الأمة الذي ولد في 15 يونيو 1879 يتجدد الحديث عن إرث سياسي استثنائي وتاريخ وطني حافل بالمعارك الكبرى، ففي مثل هذا اليوم أشرقت شمس حياة مصطفى النحاس باشا الذي ارتبط اسمه بكل محطات النضال المصري، ليظل الرجل الذي قاد كفاح الملايين صوتا لا يغيب عن ذاكرة الوطن رغم تعاقب العقود واختلاف الأزمان التي حاولت طمس حقيقة دوره القيادي الكبير.
يكشف التاريخ المصري عن صفحات شائكة في مسيرة مصطفى النحاس باشا الذي صنف كأحد أبرز الشخصيات السياسية التي أثرت في القرن العشرين، حيث تولى مصطفى النحاس مناصب قيادية رفيعة كرئيس وزراء البلاد ورئيسا لمجلس الأمة، وتزعم حزب الوفد منذ عام 1927 وحتى حله عام 1952، وبرغم هذه المسيرة الحافلة التي تضمنت تأسيس جامعة الدول العربية إلا أن مصطفى النحاس عانى من تهميش ممنهج ومحاولات مستمرة لتقويض دوره الوطني وتشويه إرثه السياسي في مختلف العصور.
يؤكد سجل مصطفى النحاس أنه ولد في 15 يونيو 1879 بمدينة سمنود محافظة الغربية لأسرة ميسورة، وتلقى تعليمه حتى تخرج في مدرسة الحقوق عام 1900، ورغم الضغوط التي مورست عليه لشغل مناصب قضائية في بداياته إلا أنه فضل العمل الحر والمحاماة، ثم انخرط مصطفى النحاس في العمل السياسي بعد تأثره بمبادئ حق تقرير المصير، مما جعله في مقدمة صفوف حزب الوفد تحت قيادة سعد زغلول الذي وجد فيه الساعد الأيمن والسياسي الأكثر حماسة لخدمة قضايا الأمة الوطنية.
يتضح حجم الظلم الذي وقع على مصطفى النحاس من خلال استعراض فترات النفي والاعتقال التي واجهها خلال مسيرته، فقد نفي مصطفى النحاس عام 1921، وتعرض لمحاولات اغتيال فاشلة في عام 1938 عبر وضع متفجرات في سيارته، ولم تتوقف تلك الضغوط عند هذا الحد بل امتدت لتشمل محاصرة القوات البريطانية لقصر عابدين في 4 فبراير 1942 لإجباره على تشكيل الوزارة، وهو ما قبله مصطفى النحاس في ذلك الوقت باعتباره ضرورة وطنية لإنقاذ الموقف مع تسجيل اعتراضه الرسمي الصريح على التدخل الأجنبي في شؤون البلاد.
يوثق التاريخ الموقف الوطني المشرف الذي اتخذه مصطفى النحاس في 8 أكتوبر 1951 عندما وقف تحت قبة البرلمان ليعلن إلغاء معاهدة عام 1936، وهو القرار الذي زلزل أركان الاحتلال البريطاني وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الكفاح المسلح، ورغم هذه البطولة المطلقة التي عبرت عن إرادة الشعب المصري إلا أن مصطفى النحاس لم يجد التقدير المنصف، بل تم اعتقاله بعد أحداث عام 1952 بطريقة وصفت بأنها مهينة وشهدت تجاوزات شخصية، رغم معارضة الرئيس محمد نجيب لتلك الإجراءات وتأكيده على وطنية مصطفى النحاس.
يظل مصطفى النحاس نموذجا للزعيم الذي تعرض للمظالم وهو على قيد الحياة، حيث شملت تلك الممارسات محاولات طمس الحقائق وإبعاده قسريا عن المشهد السياسي، حتى توفي مصطفى النحاس في 23 أغسطس 1965 بمنزله في جاردن سيتي وشيعت جنازته من مسجد الحسين، وبينما يحاول البعض اليوم استعادة جزء من الحقيقة من خلال مذكرات النفي التي كتبها مصطفى النحاس في جزيرة سيشل، تظل العديد من فترات حياته بحاجة إلى قراءة متأنية تنصفه من محاولات التعتيم التي طاردت سيرته المهنية والسياسية لسنوات طويلة.
يؤكد المتخصصون في دراسات الزعامة السياسية أن مصطفى النحاس استطاع تحويل جموع الطلبة والمحامين إلى أداة ضغط وطنية فعالة، ولم يكن مجرد سكرتير عام للوفد بل كان مهندس استراتيجيات المواجهة مع الاحتلال البريطاني، ورغم محاولات خصومه السياسيين تصويره في قالب مغاير للواقع إلا أن المذكرات الموثقة والوثائق التاريخية تبرز مصطفى النحاس كرجل دولة تحمل تبعات قراراته بصمود، ودافع عن سيادة الدولة المصرية في أصعب الظروف الإقليمية والدولية التي مرت بها البلاد في ذلك العصر.






















