في عالم السياسة، لا تُدار الملفات الكبرى بالعاطفة، بل بالصفقات، ولا تُحسم القضايا المعقّدة بالتصريحات العلنية، بل بما يدور خلف الأبواب المغلقة. من هذا المنطلق، يثير الحديث المتصاعد عن اعتراف إسرائيلي – وربما أمريكي لاحقًا – بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي تساؤلات خطيرة تتجاوز حدود القرن الإفريقي، وتمس جوهر القضية الفلسطينية نفسها.
الطرح المتداول في دوائر التحليل لا يقف عند حدود الاعتراف الدبلوماسي بإقليم أعلن انفصاله من طرف واحد منذ عام 1991، بل يتحدث عن «صفقة» غير معلنة: منح «أرض الصومال» شرعية دولية طال انتظارها، مقابل قبولها لعب دور وظيفي في مشروع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، تحت مسميات إنسانية واقتصادية براقة.
إدارة الصراع الذي اتبعته إسرائيل
قد يبدو السيناريو صادمًا، لكنه لا يخرج كثيرًا عن منطق إدارة الصراع الذي اتبعته إسرائيل تاريخيًا، حيث تعود فكرة التهجير إلى الواجهة كلما تعثرت الحلول السياسية، وكلما فشل الرهان على كسر إرادة الفلسطيني داخل أرضه. ومع سقوط سيناريوهات التهجير إلى سيناء أو الأردن أو لبنان، يبدأ البحث عن جغرافيا أبعد، أقل حساسية، وأضعف سياسيًا.
أرض الصومال
وهنا تبرز «أرض الصومال» كخيار مثالي في حسابات المصالح؛ إقليم غير معترف به دوليًا، يعاني عزلة سياسية وضغوطًا اقتصادية، ويتطلع بأي ثمن إلى كسر الطوق المفروض عليه. اعتراف تقوده إسرائيل وتباركه واشنطن قد يبدو، من منظور سلطاته، مكسبًا تاريخيًا، لكنه في جوهره يضع الإقليم داخل معادلة خطيرة، تُستخدم فيها الجغرافيا الفقيرة كحل لمأزق صنعته قوى الاحتلال.
الأخطر أن هذا الطرح لا يُقدَّم بصيغته الحقيقية كتهجير قسري، بل يُعاد تسويقه بلغة «إعادة التوطين» و«الحلول الإنسانية» و«الفرص الاقتصادية»، وهي نفس اللغة التي استخدمت مرارًا لتبرير اقتلاع الشعوب من أوطانها. لكن تغيير المصطلحات لا يغيّر الحقائق: التهجير، مهما تلوّن، يظل محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر تفريغ الأرض من أهلها.
وفي البعد الإقليمي، لا يمكن فصل هذا السيناريو عن تداعياته الأوسع. فالاعتراف بإقليم انفصالي في منطقة شديدة الهشاشة مثل القرن الإفريقي يفتح الباب أمام موجات تفكيك جديدة، ويهدد وحدة دول قائمة، ويحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ. كما يمنح إسرائيل موطئ قدم استراتيجيًا بالغ الحساسية على البحر الأحمر وبالقرب من ممرات التجارة العالمية، وهو مكسب لا يقل أهمية عن ملف التهجير ذاته.
قد لا تكون كل تفاصيل هذه «الصفقة» مؤكدة حتى الآن، لكن المؤكد أن فكرة التهجير لم تُدفن، بل يجري تدويرها كل مرة في شكل جديد ومكان جديد. وبين اعترافات سياسية تُمنح هنا، ومشاريع مشبوهة تُدار هناك، يبقى الفلسطيني هو الهدف الدائم، وتبقى المنطقة بأكملها رهينة حسابات لا ترى في الإنسان سوى رقم قابل للنقل.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يتحول القرن الإفريقي إلى ساحة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية؟
أم أن الوعي الإقليمي والدولي سيتحرك قبل أن تنتقل الصفقة من حيز التسريبات إلى واقع مفروض بالقوة؟
نرشح لك.. وزير الخارجية: 2025 عام إقليمي صعب.. ومصر تدير الأزمات باتزان الاستراتيجي





















