لم يعد السؤال المطروح داخل أروقة ماسبيرو يتعلق بمستقبل الإعلام الوطني بقدر ما أصبح يتعلق بمستقبل المؤسسة نفسها، فبعد سنوات طويلة من التراجع كانت الآمال معقودة على أن تشهد المرحلة الجديدة تحولًا حقيقيًا يعيد للمبنى العريق مكانته وتأثيره وهيبته.
غير أن الواقع حتى الآن لا يعكس حجم الوعود ولا يوازي سقف التطلعات التي صاحبت تولي الكاتب أحمد المسلماني رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام.
فمنذ بدء هذه المرحلة انشغل المشهد بسلسلة من الفعاليات والندوات والصالونات الثقافية والاحتفالات الرمزية بينما بقيت الملفات الأكثر إلحاحًا تراوح مكانها، لا يزال العاملون يتساءلون عن حقوقهم ولا يزال أصحاب المعاشات ينتظرون حلولًا عادلة ولا تزال بيئة العمل تعاني من أزمات متراكمة فيما تستمر حالة الغموض بشأن رؤية واضحة وقابلة للقياس لإنقاذ المؤسسة من أزمتها الممتدة.
المشكلة ليست في إقامة فعالية أو تنظيم احتفال فهذه أمور مطلوبة في أي مؤسسة حية، لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول الفعاليات إلى بديل عن الإنجاز الحقيقي وعندما يصبح الحضور في المناسبات أكثر وضوحًا من الحضور في ملفات الإصلاح.
فالمؤسسات الإعلامية لا تستعيد جمهورها بالندوات ولا تسترد مكانتها بالتصفيق وإنما بالمحتوى القوي والإدارة الرشيدة واحترام الكفاءات وتحقيق العدالة المهنية.
وإذا كانت إدارة الهيئة تتحدث باستمرار عن التطوير فإن السؤال المشروع هو أين انعكاسات هذا التطوير على الشاشة؟ وأين القفزة النوعية التي انتظرها أبناء ماسبيرو؟ وأين البرامج القادرة على المنافسة؟ وأين الاستفادة من آلاف الخبرات المتراكمة داخل المبنى؟ فحتى الآن لا تبدو النتائج متناسبة مع حجم الضجيج المصاحب لمشروعات التطوير المعلنة ولا مع حجم الآمال التي عُلقت عليها.
ومن أكثر المظاهر التي تثير الاستياء داخل ماسبيرو حالة الاحتكار غير المفهومة لمنصة تقديم الفعاليات والاحتفالات الرسمية، فكيف لمؤسسة تضم عشرات المذيعين والإعلاميين من أصحاب الخبرات الطويلة أن تبدو وكأنها عاجزة عن تقديم أسماء متعددة قادرة على إدارة مناسباتها المختلفة؟ وكيف تحولت مؤسسة قامت تاريخيًا على التنوع وتعدد المواهب إلى مشهد يكاد يقتصر على اسم واحد يتكرر في معظم الفعاليات والاحتفالات؟
إن القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه وإنما بمبدأ أصبح محل تساؤل واسع بين أبناء المؤسسة، فهل أصبحت الكفاءة حكرًا على اسم واحد؟ وهل خلت أروقة ماسبيرو من إعلاميين يمتلكون الخبرة والقدرة والحضور؟ أم أن هناك من يصر على إعادة إنتاج المشهد نفسه مهما تغيرت الظروف ومهما تنوعت المناسبات؟
الأخطر من ذلك أن هذا النهج يوجه رسالة سلبية وقاسية إلى عشرات الكفاءات التي أفنت سنوات عمرها داخل المبنى ثم وجدت نفسها خارج دائرة الاختيار وكأنها غير موجودة.
فالمؤسسات التي تؤمن بالتطوير الحقيقي تفتح المجال أمام الجميع وتصنع أجيالًا جديدة من القيادات والوجوه الإعلامية أما المؤسسات التي تدور حول مجموعة محدودة من الأسماء فإنها لا تنتج سوى الإحباط والجمود والشعور المتزايد بالتمييز وانعدام العدالة.
أما الاحتفاء بالشهيدة سلوى حجازي فقد كشف بدوره مفارقة لافتة، فلا أحد يختلف على قيمة هذه القامة الإعلامية الكبيرة ولا على أهمية تخليد ذكراها لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا جرى اختزال هذا التكريم في نطاق محدود بينما كان الأجدر أن يتحول إلى حدث وطني عام عبر شاشة القناة الأولى ليشاهده ملايين المصريين ويتعرف من خلاله الجيل الجديد على واحدة من أهم رموز الإعلام المصري؟ فتكريم الرموز لا يكون بحضور النخبة فقط بل بوصول رسالتهم إلى الناس كافة.
كما يثير ما يسمى بـ”وسام ماسبيرو” تساؤلات مشروعة حول معايير المنح وأسس الاختيار، فالأوسمة الحقيقية تستمد قيمتها من صرامة شروطها ومن مكانة الحاصلين عليها لا من اسمها وحده، وكلما غابت المعايير الواضحة تراجعت القيمة المعنوية وتحولت الرمزية إلى مجرد إجراء شكلي فاقد للتأثير.
أما على مستوى المحتوى فما زالت القناة الأولى تواجه تحديات ضخمة في ظل المنافسة الشرسة مع القنوات الخاصة والمنصات الرقمية، وما زالت بعض البرامج الجديدة تطرح تساؤلات مهنية بشأن قدرتها على تحقيق التأثير المنشود ومدى توافق مضمونها مع الأهداف التي أعلنت من أجلها، فاستعادة الريادة لا تتحقق بالشعارات ولا بالعودة الإدارية إلى المبنى وإنما بإنتاج إعلام قادر على المنافسة وصناعة التأثير واستعادة ثقة المشاهد.
ويبقى السؤال الأهم بعد كل ما جرى: ماذا تحقق فعليًا منذ بدء المرحلة الجديدة؟ هل عاد ماسبيرو إلى موقعه المؤثر في المشهد الإعلامي؟ هل تحسنت أوضاع العاملين؟ هل جرى استثمار الخبرات الهائلة التي يزخر بها المبنى؟ هل استعادت الشاشة الرسمية بريقها المفقود؟ أم أن المؤسسة ما زالت تدور في دائرة الفعاليات والاحتفالات بينما تبقى القضايا الجوهرية معلقة بلا حلول حاسمة؟
إن ماسبيرو لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الصور التذكارية ولا إلى المزيد من المناسبات البروتوكولية ولا إلى استدعاء أمجاد الماضي في كل مناسبة، وذلك وسط ضعف ادارة القناه فما يحتاجه هو قرارات شجاعة وإدارة تحقق نتائج ملموسة وعدالة تعيد الثقة إلى أبنائه ورؤية حقيقية تنقل المؤسسة من مرحلة الكلام عن التطوير إلى مرحلة صناعة التطوير نفسه.
فالمؤسسات الكبرى لا تُقاس بعدد الاحتفالات التي تنظمها بل بقدرتها على حماية حقوق أبنائها واستثمار كفاءاتهم واستعادة ثقة جمهورها وتحويل تاريخها العريق إلى مشروع حقيقي للمستقبل.
وإلى أن يتحقق ذلك سيظل السؤال مطروحًا داخل ماسبيرو وخارجه: هل نحن أمام مشروع إصلاح حقيقي يعيد بناء المؤسسة على أسس مهنية عادلة أم أمام إدارة تجيد صناعة المشهد أكثر مما تجيد صناعة النتائج؟





















