ها هو تحت الأرض، في مكان سحيق، لا يستطيع تحديد معالمه.
سلبوه حريته، وسلبوه هاتفه، فإذا به ينقطع عن العالم، سلبوه حاسة البصر، إذ وضعوا على عينيه غمامةً، وقبل ذلك لسبب غير مفهوم، حطّم فظٌّ غليظُ القلب نظارة القراءة، وسلبوه سجائره وقداحته، ونزعوا من معصمه “حظاظة” بُنيّة لونها، ذات جلد مجدول.
في يديه قيد حديدي، ليس ذا جدوى بالطبع، إذ هو ذاك المكان السحيق، وخلف باب حديدي، لم يره لما كانت القبضة القاسية تدفعه من ظهره، لكن حشرجة مزلاجه تؤكد أنه ثقيل متين.
بصعوبة بالغة استطاع زحزحة العصابة، بعض الشيء ما سمح لعينيه بتفحص المحيط الخارجي.
ثمة حوائط أسمنتية ثقيلة غير مطلية، داكنة اللون، وما من شبابيك البتة، وهناك مكيّف هواء مثبت فوق شبكة معدنية سوداء، على مقربة من سقف، يرتفع ما لا يقل عن أربعة أمتار، وتنشع الرطوبة من زواياه، وتترك آثارًا تبدو كالعفن فيه، وتبعث عنها رائحة منفرة، أما الباب فقد كان أثقل مما توقع قبل أن يستعيد الرؤية.
كل شيء في المكان قاتم، ويبعث على الكآبة، حتى البطاطين ذات الرائحة “المرحاضية” تبدو من أسمنتية اللون، جراء قذارتها المتراكمة، في حين يعض القيد على يديه فيدميهما، ويعوق حركتهما إذ لا يزيد طول الجنزير بين حلقتيه عن ثلاثين سنتيمترًا.
تفقدت عيناه المكان محض دقائق، لديه ذاكرة بصرية متقدة، شحذتها سنوات طويلة من ممارسة الصحافة، تدرب خلالها على تسجيل التفاصيل، وحفظها عسى أن يعود إليها، ذات كتابة في وقت ما.
في حديثه الذاتي يقول لنفسه: سأكتب ذات يوم، نعم ليست هذه النهاية.
لم يتخل عن الأمل، منذ اللحظة الأولى، حتى سمع قرار إخلاء السبيل، ما أصعب الحياة لولا فسحة الأمل، نعم سيخرج من محبسه، وسيستأنف حياته، وسيكتب حتى رمقه الأخير، وسيبقى كما هو، على اليسار من السلطة السياسية، ذلك أنه مع الناس وللناس وبالناس.. وقلبه مساكن شعبية.
هذه ساعاته الأولى في محبسه، الوقت ثقيل، بل عدمي، إذ لا شمس ولا قمر، ولا صبح ولا ليل، ولا صوت مؤذن، ولا أي ملمح للتغيير، إن الحياة تجمدت عند تلك اللحظة، عصر الخامس من نوفمبر، لما حُوصر بأشداء جامدي الملامح من ذات اليمين، وذات اليسار: “أنت عارف احنا مين”؟.. أومأ برأسه علامة الإيجاب، واستسلم إذ اقتادوه إلى ثقب أسود مكث فيه ثمانية أشهر، كانت أثقل من دهر.
على البطانية القذرة يقعد ما بين القرفصاء و”التربيع” ظهره إلى الحائط، وقد أغمض عينيه، تتقاذف أمواج الأفكار عقله، ماذا سيحدث؟ تُرى كيف حال أمه مريضة القلب والسكر الآن؟ هل تبكي؟ هل يبكي أولاده؟ وهل تبكي هي؟.. هي صاحبة الحظاظة.
يؤلمه التفكير فيمن كان يكتب لهم الرسائل، مخاطبًا إياهم جميعًا بنداء كان يعنيه حقًا: “إلى أغلى الناس”.
يستطيع اليوم أن يقول بيقين، إنه كان رابط الجأش، أو على الأقل، استطاع أن يبدو كذلك، وهو في موقف يستدعي الخوف، كل الخوف.
في القرآن الكريم الذي أقبل عليه لمَّا كان خلف الأسوار، قارئًا وحافظًا ومتفكرًا متمعنًا، كما لم يكن من ذي قبل، قرأ: “لنبلونكم بشيء من الخوف”.
في النص القرآني، يتقدم الخوف سابقًا النقص في الأنفس والثمرات، ليس الخوف بل شيئًا منه، يا له من ابتلاء، هنا عرف الخوف للمرة الأولى في حياته، لم ينل منه لمَّا صوب ضابط صربي فوهة مسدس إلى دماغه، إبان حرب كوسوفو التي غطاها صحفيًا، بل نظر إليه هادئًا، ثبّت عينيه على ملامح وجهه فلم يضغط على الزناد، ولم ينل منه في طائرة قِيل إنّ عطبًا أصاب محركًا من محركاتها، ولم ينل منه، إذ أصيب بذبحة قلبية، فإذا هو يمازح طاقم التمريض قبيل خضوعه للقسطرة.
يتذكر مديحة الممرضة الحسناء، ذات الشامة التي تنحرف نحو اليسار، تحت شفتين دسمتين، وشعرها الفاحم الكثيف، والعينين الدعجاءين، إذ هي تذرف الدمع، حين كانت تدفع سريره إلى غرفة العمليات، وهو يمشي على قدميه إلى جوار السرير، رافضًا “هذه الكسرة”، ولأنه أراد أن يموت “على رجليه”، كما يردد دائمًا.
سألها عندئذٍ: مالك يا مديحة؟.. قالت: خائفة عليك.. كل أفراد طاقم التمريض يقولون إنك رجل طيب.
ابتسم ليطمئنها: “أنا ماشي جنبك ولا القرد”، ثم افترت عيناه عن دمعات سخينة، لم يعرف لها تأويلًا، كل ما في الأمر، أن حدبها عليه أثار في نفسه اضطرابًا غامضًا، ورغبة طفولية في البكاء.
من أين تأتي الذكريات وهو تحت الأرض؟
شريط الرؤى يتحرك في عقله، حرًا بغير ترتيب، فواردة تأتي بشاردة، كما يقول المتصوفة.
إنه يرفع عقيرته، بآخر إمكانات حنجرته الصوتية، يطلب أن يأتي إليه “أحد سجانيه”.. يرد صوت محشرج مثل محرك سيارة “خنفسة”: مالك يا مسجون؟
مفردة مسجون ذات وقع مزعج، حين تسمعها للمرة الأولى، أحسَّ أن رمحًا مُسنّنًا يخرق لحم صدره، سحب شهيقًا عميقًا، تمتم في اضطراب مُحدِّثًا نفسه: نعم أنا مسجون.. وغرق في صمته وقتا طال أو قصر، لا فرق، إن الوقت صفر.
استجمع المبعثر من نفسه، وهتف ثانية، فأتته الحشرجة ذاتها، بالجواب ذاته، فرد عليها بنبرة غضب حاد: تعال هنا.
حدثته نفسه: ماذا سيحدث؟ هل سيسجنونني؟ ابتسم نصف ابتسامة، واستعاد بيت المتنبي: “والهجرُ أقتلُ لي مما أُراقبُهُ/ أنا الغريقُ فما خوفي من البللِ”.. ثمة مساحة للشعر دائمًا، مهما تكن الظروف.
من كوة في الباب الحديدي، رأى فمًا غليظًا، فوقه شارب خفيف مبعثر كالتتر كما يظهرون في الأفلام التاريخية، شيء منه أراد أن يسخر من المنظر، لكنه بالطبع كبح نوازعه “التنمرية” التي تستقر في جيناته السكندرية.
بصوت محايد ثابت قال: “ثمة حظّاظة كانت في يدي.. لماذا نزعتموها منها؟ هل تشكل خطرًا ما على الأمن؟ هل سأنتحر شنقًا بلفها حول عنقي؟
رد ذو الشارب المبعثر متهكمًا: حظّاظة؟ والله أنت غريب، الظاهر أنك لا تعي أين أنت؟
أعي وأريد الحظاظة، هذا تصرف عجيب، ليست مطمعًا فيطمع فيها أحد، وليست ذات قيمة مادية، كما لا تشكل خطرًا، ليست حظاظة مفخخة مثلًا، فلماذا لا أستعيدها؟
لم يرد ذو الشارب المبعثر والشفتان المفلطّحتان، ومضى إلى شأنه، بعد أن هتف بصاحب له: المسجون يسأل عن حظاظة، فإذا بقهقهات لعدد من الرجال، خشنةً فيها بلاهة، تدوي خلف الباب الحديدي الثقيل.
لقد فقدها إذن، استوعب الآن أن الحظاظة لن تستعاد، فهؤلاء غلاظ الأكباد لن يفهموا ما تعنيه له، إن المعاني الكامنة في الأشياء، تهمه قبل مادية تلك الأشياء، المادة تفنى والمعنى يخلد.
لمدة مائتي وأربعة وثلاثين يومًا، كانت يمينه تتحسس معصمه الأيسر، حيث كانت تلتف الحظاظة حوله، يتحسس موضعها مفتقدا وجودها، أسيفًا قلبه، منكسرا خاطره، شاعرًا بفداحة الخسارة.
نعم تلك الحظاظة، التي فقدها، ولم يبتع غيرها بعد خروجه، وقد يتحسس لا إراديًا موضعها من يده، من حين لآخر.






















