لم يعد النظر إلى التعليم في الاقتصاد الحديث مقتصرًا على كونه خدمة عامة تستهدف نشر المعرفة والثقافة، أو حقًا اجتماعيًا تلتزم الدولة بإتاحته، وإنما أصبح التعليم أحد المكونات الأساسية لتكوين رأس المال البشري؛ أي ذلك المخزون المتراكم من المعرفة والمهارات والخبرات والقدرات الصحية والمهنية التي تمكّن الإنسان من المشاركة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وإنتاج قيمة مضافة.
وتنبع أهمية هذا المنظور من أن الاقتصاد لا ينمو بالموارد المادية وحدها. فالمصنع لا ينتج لمجرد وجود آلاته، والتكنولوجيا لا تخلق قيمة اقتصادية مستقلة عن الأشخاص القادرين على تطويرها وتشغيلها، والموارد الطبيعية لا تتحول إلى ثروة إلا من خلال المعرفة والمؤسسات والعمل، ومن ثم، فإن الإنسان ليس مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، بل هو في الاقتصادات الحديثة العنصر الذي يحدد قدرة بقية عناصر الإنتاج على خلق القيمة، غير أن الانتقال من اعتبار التعليم خدمة إلى اعتباره استثمارًا يفرض سؤالًا اقتصاديًا أكثر صعوبة: ما العائد الذي ينتج عن الموارد التي يوجهها الفرد والأسرة والدولة إلى التعليم؟
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين. فالاستثمار اقتصاديًا لا يعني عائدًا مضمونًا، وإنما يعني تحمل تكلفة حالية على أمل تحقيق عوائد مستقبلية. وقد ينجح الاستثمار، وقد يكون عائده أقل من المتوقع، وقد يفشل نتيجة سوء تخصيص الموارد أو تغير الظروف، ومن ثم، فإن القول إن التعليم استثمار لا يعفي النظام التعليمي من المساءلة، بل يجعل هذه المساءلة أكثر ضرورة.
وبناءً على ذلك، لا يصبح السؤال المركزي: كم تنفق الدولة على التعليم؟ وإنما: ما الذي تحصل عليه الدولة والمجتمع والفرد مقابل هذا الإنفاق؟ وهل يتحول الإنفاق إلى تعلم حقيقي؟ وهل تتحول المهارات إلى إنتاجية؟ وهل يجد الخريج وظيفة تستخدم ما تعلمه؟ وهل يستطيع الاقتصاد استيعاب هذه المهارات وتحويلها إلى ابتكار وإنتاج وفرص عمل؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في مصر، حيث يمثل الحجم السكاني الكبير قاعدة بشرية يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للقوة الاقتصادية، لكنها يمكن أن تتحول في الوقت ذاته إلى عبء إذا لم تتحول الكتلة السكانية إلى رأس مال بشري منتج. وقد أظهر مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي لعام 2020 أن الطفل المصري كان متوقعًا أن يحصل على 11.5 سنة من التعليم، لكنها تنخفض إلى نحو 6.5 سنوات عند تعديلها بجودة التعلم، مع تسجيل مؤشر رأس مال بشري يبلغ نحو 0.49. وتكشف هذه الفجوة بوضوح أن سنوات الدراسة ليست مرادفًا لرأس المال البشري، وأن بقاء الطالب في المؤسسة التعليمية لا يكفي إذا لم يتحول ذلك البقاء إلى معرفة ومهارات قابلة للاستخدام.
ومن هنا تنطلق هذه السلسلة من فرضية أساسية: التعليم استثمار في رأس المال البشري، لكن قيمة هذا الاستثمار لا تتحدد بحجم الإنفاق عليه، وإنما بالعائد الذي يستطيع المجتمع استخراجه من المعرفة والمهارات التي ينتجها.
التعليم استثمار في رأس المال البشري: ماذا يعني العائد الاقتصادي؟
يُعد مفهوم رأس المال البشري من أهم المفاهيم التي نقلت دراسة التعليم من المجال الاجتماعي البحت إلى المجال الاقتصادي. وقد ارتبط تطور هذا المفهوم بأعمال اقتصاديين نظروا إلى المعرفة والمهارات التي يكتسبها الإنسان بوصفها أصولًا تؤثر في إنتاجيته ودخله وقدرته على المشاركة في النشاط الاقتصادي.
وفق هذا المنظور، فإن التعليم يشبه الاستثمار في أصل إنتاجي، لكن مع فارق جوهري: الأصل هنا ليس آلة أو مبنى، وإنما القدرات المتراكمة داخل الإنسان. فالدولة تنفق على المدارس والجامعات والمعلمين والتجهيزات، والأسرة تنفق على الرسوم والكتب والنقل والدروس، والفرد يتحمل كذلك تكلفة الوقت الذي يقضيه في الدراسة بدلًا من العمل. وفي المقابل، يفترض أن تنتج هذه التكاليف عوائد مستقبلية.
ويظهر العائد الخاص للتعليم بصورة واضحة في ارتفاع فرص الحصول على عمل، وتحسن الدخل المتوقع، واتساع فرص الترقي المهني. أما العائد الاجتماعي فيتجاوز الفرد ليشمل ارتفاع إنتاجية قوة العمل، وتحسن الخدمات، وتوسيع القدرة على الابتكار، وتخفيض بعض صور الفقر والتهميش، وتحسين النتائج الصحية والاجتماعية، وتشير الأدلة التي يستند إليها البنك الدولي إلى وجود علاقة قوية بين التعليم والدخل والإنتاجية؛ إلا أن هذه العلاقة لا تعني أن كل سنة إضافية من الدراسة تحقق العائد نفسه في جميع البلدان أو لجميع الأفراد. فالعائد يتأثر بجودة التعليم، ونوع المهارات، ومستوى الطلب عليها، وبقدرة الاقتصاد على استخدام هذه المهارات.
وهنا تظهر أولى القضايا النقدية في التعامل مع التعليم باعتباره استثمارًا. فالاستثمار، في التحليل الاقتصادي، لا يعني عائدًا مضمونًا، وإنما يعني عائدًا متوقعًا. وبالتالي، فإن القول إن التعليم استثمار لا يعني أن كل جنيه ينفق عليه سيولد بالضرورة جنيهًا إضافيًا من الدخل أو الإنتاج.
قد تنفق الدولة أموالًا ضخمة على إنشاء مؤسسات تعليمية، ثم لا تحقق هذه المؤسسات نتائج تعلم مناسبة. وقد يتخرج آلاف الطلاب بشهادات جامعية، بينما لا يجد الاقتصاد وظائف تستفيد من تخصصاتهم. وقد تتوسع الجامعات في تخصصات معينة بينما يعاني قطاع اقتصادي آخر نقصًا في العمالة الماهرة. وفي هذه الحالات لا يختفي مفهوم الاستثمار، وإنما تظهر مشكلة كفاءة الاستثمار.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:
الإنفاق التعليمي: الموارد المالية والبشرية التي تدخل العملية التعليمية.
المخرجات التعليمية: المعرفة والمهارات والمؤهلات التي يكتسبها الطلاب.
العائد الاقتصادي والاجتماعي: القيمة التي تنتج عن استخدام هذه المعرفة والمهارات في العمل والإنتاج والمجتمع.
وتكمن المشكلة في أن السياسات التعليمية كثيرًا ما تركز على المستوى الأول والثاني، بينما لا تمتلك دائمًا أدوات كافية لقياس المستوى الثالث، فعدد المدارس لا يخبرنا وحده عن جودة التعليم، وعدد الطلاب لا يخبرنا عن مستوى تعلمهم، وعدد الخريجين لا يخبرنا عن إنتاجيتهم، وعدد الجامعات لا يخبرنا عن قدرتها على إنتاج المعرفة أو الابتكار.
وهنا تكمن أهمية الحالة المصرية. فإذا كان الطفل يقضي سنوات طويلة في التعليم دون أن تتحول هذه السنوات إلى مهارات فعلية، فإن جزءًا من الموارد التي أنفقت على تعليمه لم يتحول إلى رأس مال بشري بالمفهوم الاقتصادي الكامل. وتؤكد بيانات البنك الدولي لعام 2020 هذا التحدي من خلال الفجوة بين سنوات الدراسة المتوقعة وسنوات الدراسة المعدلة بالتعلم في مصر، وبالتالي، فإن القضية ليست في زيادة الاستثمار في التعليم فحسب، بل في رفع إنتاجية الاستثمار التعليمي نفسه.
إذا كان التعليم استثمارًا، فإن الخطوة المنطقية التالية ليست السؤال عن حجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما عن كيفية تخصيص هذه الأموال وما إذا كانت تتحول إلى رأس مال بشري فعلي. ومن هنا ينتقل النقاش إلى قضية أكثر تعقيدًا: كيف تستطيع الدولة أن تخطط للتعليم بحيث يتوافق حجم ونوع رأس المال البشري الذي تنتجه مع احتياجات اقتصادها الحالية والمستقبلية؟





















