في السابع من أكتوبر 2023 لم يكن ما حدث مجرد هجوم مفاجئ على إسرائيل
كان ذلك اليوم زلزالا استخباراتيا وأمنيا وسياسيا هز واحدة من أكثر الدول اعتمادا على التكنولوجيا في مراقبة حدودها وملاحقة خصومها
عند الساعة السادسة وتسع وعشرين دقيقة صباحا بدأت اللحظة التي ستغير وجه الشرق الأوسط
صواريخ تنطلق من غزة
طائرات مسيرة تضرب مواقع المراقبة
وحدات تقتحم السياج
عناصر تتسلل برا وجوا وبحرا
وفي الوقت نفسه تنهار الصورة التي صنعتها إسرائيل طوال سنوات عن حدود لا يمكن اختراقها وعن منظومة أمنية ترى وتسمع وتعرف كل شيء
كانت إسرائيل تتعامل مع قطاع غزة باعتباره مساحة مكشوفة أمام عيونها
كاميرات
أجهزة استشعار
تنصت إلكتروني
طائرات مسيرة
أبراج مراقبة
حاجز أمني متطور
وأجهزة استخبارات من بينها أمان والشاباك والموساد
لكن المفاجأة الكبرى أن كل هذه التكنولوجيا لم تمنع المفاجأة
بل إن الدراسات التي تناولت فشل 7 أكتوبر أشارت إلى وجود تحذيرات ومعلومات سابقة لم تتحول إلى تقدير صحيح لنوايا حماس وقدرتها على تنفيذ هجوم واسع بهذا الحجم
وهنا تكمن أخطر مفارقة في قصة 7 أكتوبر
إسرائيل لم تكن تفتقر إلى التكنولوجيا
كانت تفتقر إلى قراءة ما كانت التكنولوجيا تلتقطه
فقد تتحول كثرة المعلومات إلى وهم بالسيطرة
وقد تتحول الثقة في أجهزة الرصد إلى نقطة ضعف إذا اعتقد أصحاب القرار أن الخصم لا يستطيع تجاوزها
وهذا ما حدث
الهجوم لم يكن مجرد عبور للسياج
كان عملية مركبة استهدفت في اللحظات الأولى إرباك منظومة المراقبة نفسها
فقد استخدمت حماس طائرات مسيرة لاستهداف مواقع وأبراج ومكونات من منظومة المراقبة والاتصال على الحدود قبل أن تتدفق مجموعات المهاجمين عبر نقاط متعددة
وهنا سقطت الفكرة الإسرائيلية التي ظلت لسنوات تقول إن غزة تحت السيطرة الكاملة
سقطت الشباك
وسقطت صورة الموساد الذي يعرف كل شيء
وتبين أن التفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة التفوق الاستخباراتي
وهنا أيضا يجب التوقف أمام أسطورة بيجاسوس
بيجاسوس ليس جهازا سحريا يستطيع رؤية كل شيء في غزة
إنه برنامج تجسس متطور للهواتف طورته شركة إسرائيلية خاصة
وقد كشفت التحقيقات التقنية قدرته على اختراق أجهزة وهواتف مستهدفة في ظروف معينة والوصول إلى بياناتها
لكن وجود مثل هذه التكنولوجيا لم يمنع 7 أكتوبر
وهذه هي المفارقة التي يجب أن نتعلم منها
يمكنك أن تمتلك أقوى أدوات التجسس
لكن لا تستطيع التكنولوجيا وحدها أن تمنحك عقل الخصم
ولا تستطيع الكاميرا أن تفهم ما وراء الصمت
ولا يستطيع التنصت أن يفسر دائما ما يفعله خصم تعمد إخفاء نواياه
وهذا ما يجعل 7 أكتوبر قبل أن يكون قصة عسكرية هو قصة فشل في التقدير
لقد كان لدى إسرائيل حدود محصنة ومراقبة إلكترونيا بدرجة هائلة
ومع ذلك عبر المهاجمون
كانت لديها أجهزة استخبارات متعددة
ومع ذلك لم تصل إلى إنذار استراتيجي يمنع الهجوم
كانت لديها قوة جوية ومدرعات وقوات خاصة
ومع ذلك احتاجت إلى وقت لاستعادة السيطرة على مناطق داخل إسرائيل
وتشير المصادر الإسرائيلية والدولية إلى أن الهجوم أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل وأخذ 251 شخصا رهائن بحسب الأرقام التي استقرت عليها التقارير اللاحقة
هذه هي اللحظة التي تغير بعدها كل شيء
إسرائيل لم تنظر إلى 7 أكتوبر باعتباره عملية عسكرية محدودة
بل باعتباره تهديدا وجوديا
ومن هنا بدأت الحرب التي تحولت مع الوقت إلى واحدة من أكثر الحروب دموية ودمارا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحا بعد ثلاث سنوات
هل استطاعت إسرائيل أن تنتصر في الحرب لأنها فشلت في منع بدايتها؟
هنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا
لقد استطاعت إسرائيل أن تدمر مساحات هائلة من قطاع غزة
ودمرت أحياء ومؤسسات ومستشفيات ومدارس وجامعات وشبكات طرق ومنازل
وتحولت مناطق واسعة إلى ركام
ودفع المدنيون الثمن الأكبر
وفي الذكرى الثالثة ما زال الفلسطيني في غزة يعيش وسط آثار حرب غيرت تفاصيل الحياة نفسها
لكن الركام لا يدفن القضية
وهنا نصل إلى المشهد الذي ربما يلخص السنوات الثلاث كلها
طفل فلسطيني يقف أمام بيت لم يعد بيتا
أمام مدرسة لم تعد مدرسة
أمام شارع اختفى تحت الركام
ثم يبحث عن دفتر
عن كتاب
عن قلم
عن قطعة ورق
وكأنه يقول للعالم إن إسرائيل تستطيع أن تهدم الجدار
لكنها لا تستطيع أن تهدم الذاكرة
يخرج الطفل من بين الأنقاض
يمسك قلمه
ويكتب
هنا فلسطين
هذه الجملة الصغيرة أقوى من كثير من الخطب
لأن المعركة لم تعد فقط على الأرض
المعركة أصبحت على الذاكرة
وعلى الرواية
وعلى المستقبل
وعلى السؤال الذي سيبقى مفتوحا أمام الأجيال
كيف استطاعت إسرائيل بكل ما تملكه من أجهزة استخبارات وتكنولوجيا وجيش وحواجز أن تتعرض لمثل هذه المفاجأة؟
وكيف تحولت عملية بدأت في ساعات إلى حرب أعادت تشكيل الشرق الأوسط كله؟
لقد امتدت تداعيات 7 أكتوبر إلى لبنان واليمن وسوريا وإيران والبحر الأحمر
وتحولت الحرب من صراع داخل حدود غزة إلى مواجهة إقليمية أوسع
وتغيرت حسابات القوى الكبرى
وتعرضت منظومة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط لاختبار لم ينته بعد
ولذلك فإن الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى ليست مجرد ذكرى لعملية عسكرية
إنها ذكرى سقوط نظرية كاملة
نظرية تقول إن التفوق العسكري والتكنولوجي قادر وحده على صناعة الأمن
7 أكتوبر أثبت أن الأمن الحقيقي لا تصنعه الكاميرات وحدها
ولا الأقمار الصناعية وحدها
ولا أجهزة التجسس وحدها
ولا الجدران الإسمنتية والإلكترونية وحدها
الأمن تصنعه أيضا القدرة على فهم المجتمع الذي تواجهه
وفهم دوافع الخصم
وقراءة التحولات السياسية والاجتماعية
والأهم عدم الوقوع في فخ الغرور الاستراتيجي
أما غزة
فهي قصة أخرى
ثلاث سنوات من الموت والتهجير والجوع والركام
ومع ذلك ما زال الفلسطيني يبحث عن مكان يكتب فيه
عن مدرسة تعود إليها الحياة
عن مستشفى يعمل
عن بيت يمكن أن يعود إليه
عن وطن لا يكون مجرد اسم على الخريطة
ولهذا فإن صورة الطفل الخارج من تحت الركام وهو يبحث عن دفتر وقلم ليست صورة عابرة
إنها اختصار للصراع كله
إسرائيل أرادت أن تجعل غزة مساحة مدمرة
والفلسطيني يريد أن يحول الركام إلى بداية جديدة
بينهما حرب على الأرض
وحرب على الذاكرة
وحرب على المستقبل
وفي الذكرى الثالثة
وبينما تنظر إسرائيل إلى 7 أكتوبر باعتباره يوما أسود في تاريخها
تنظر غزة إلى السنوات الثلاث باعتبارها اختبارا جديدا للبقاء
وفي وسط الركام
يبقى القلم
ويبقى الدفتر
وتبقى الكلمة
هنا فلسطين
لم تسقط من الذاكرة
ولم تسقط من التاريخ
ولن يستطيع الركام أن يكتب نهايتها
محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،،






















