في لحظة امتزج فيها الفن بالإيمان، تسلمت النجمة مادلين طبر جائزة “الريادة السينمائية” من المركز الكاثوليكي المصري للسينما في دورته الثالثة والسبعين، والتي أُهديت إلى روح قداسة البابا فرنسيس، المعروف بلقب “بابا الفقراء”.
التكريم لم يكن مجرد احتفاء بمسيرة فنية حافلة، بل كان أيضًا رسالة إنسانية عن الانتماء والتقدير، جاءت في وقت وصفته الفنانة بأنه “أحوج الأوقات إلى الشعور بالانتماء الحقيقي”.

مادلين طبر: النجمة التي تحدت الألم واحتضنت الأرض
ظهرت مادلين طبر خلال حفل التكريم ممسكة بعكاز، بعد تعرضها لكسر في كاحلها إثر سقوطها داخل كاتدرائية العباسية خلال احتفالات عيد القيامة.
ورغم إصابتها، أصرّت على الحضور بنفسها لاستلام الجائزة، معتبرة أن تكريم المركز الكاثوليكي ليس مجرد شهادة تقدير، بل “تأشيرة عبور” نحو شعورها بالانتماء الكامل لمصر.
في كلمتها المؤثرة خلال الحفل، عبّرت مادلين طبر عن امتنانها العميق للأب بطرس دانيال، مدير المركز ورئيس المهرجان، مشيرة إلى أن هذا التكريم لطالما كان حلمًا يراودها منذ أيام الأب مظلوم.
وأضافت: “رغم ولائي الكامل لمصر، لم يتم الاعتراف بي كمصرية في مهرجانات كبرى مثل مهرجان القاهرة أو الجونة، حتى في لجان التحكيم. لكن تكريم المركز الكاثوليكي خفف من وطأة هذا الشعور بالغربة”.
وأكدت النجمة اللبنانية المصرية الأصل أن “الفرق كبير بين الولاء والانتماء، وأنا الآن أشعر أنني أنتمي فعلًا إلى هذه الأرض، كما أنا لبنانية لبنانية، فأنا أيضًا مصرية مصرية… تحيا مصر”.
45 عامًا من العطاء الفني: مسيرة تستحق الريادة
جاء تكريم مادلين طبر تتويجًا لمسيرة فنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، قدمت خلالها أعمالًا أثرت وجدان الجمهور العربي، سواء في السينما أو التلفزيون.
بحسب إدارة المهرجان، فإن الجائزة منحت لطبر تقديرًا لعطائها المتميز، ولبصمتها الفنية، وأدوارها التي جمعت بين القوة والصدق، فضلًا عن إسهاماتها في مختلف المجالات الفنية.
بدأت مادلين طبر مشوارها في الإعلام والعمل الصحفي من خلال الإذاعة اللبنانية، ثم عملت في مجلة “الشبكة” قبل أن تنتقل إلى عالم التمثيل.
حيث برزت في عدد من الأفلام اللبنانية، ثم انتقلت للعمل مع الفنان السوري دريد لحام في فيلم “كفرون”، قبل أن تحقق شهرتها الكبرى بمشاركتها في الفيلم التلفزيوني الشهير “الطريق إلى إيلات”، الذي جسد واحدة من أروع بطولات القوات المسلحة المصرية.
في رصيد مادلين طبر عشرات المسلسلات والأفلام التي حصدت جوائز في مهرجانات محلية ودولية، كما عُرفت بأدوارها المركبة وقدرتها على تجسيد شخصيات متنوعة ما بين المرأة القوية والمكسورة والمتمردة، وهو ما أكسبها احترام النقاد والجمهور على حد سواء.
تكريم جماعي في ليلة فنية إنسانية
لم تكن مادلين طبر وحدها في ليلة التكريم، بل شاركها الحفل عدد من كبار الفنانين المصريين والعرب.
حيث كرم المهرجان كلًا من الفنان القدير أحمد ماهر، محمود الحديني، سميرة محسن، شريف الدسوقي، لوسي، انتصار، والمنتج حسين القلا، بالإضافة إلى مدير التصوير مصطفى عز الدين، المخرج هاني لاشين، العازفة مارسيل متى، والإعلامية هالة حشيش.
جاءت الاحتفالية في أجواء مفعمة بالروحانية والتقدير، وأكدت على دور المركز الكاثوليكي في دعم الفن الراقي الذي يحمل رسائل أخلاقية وإنسانية، بعيدًا عن الابتذال أو الإثارة الزائفة.
تكريم يحمل رسائل فنية وإنسانية
رسالة مادلين طبر في الحفل لم تكن مجرد كلمات شكر، بل كانت نداءً لكل مؤسسات الدولة الفنية بأن تنظر إلى الفنان بعين الانتماء، وليس فقط من زاوية الجنسية أو الأصل.
فقدمت نفسها كنموذج للفنانة التي أخلصت لمصر في أعمالها، ووقفت على خشبات مسارحها، وشاركت في مسلسلاتها الوطنية، ومع ذلك لم تحظَ بالاعتراف الكامل كمصرية في بعض المحافل.
تأكيدها على أن “الكنيسة هي التي منحتها هذه التأشيرة” يعكس مكانة هذا التكريم في وجدانها، ويفتح باب التساؤل حول دور مؤسسات الدولة في احتواء الفنانين العرب الذين ساهموا في نهضة الفن المصري لعقود.
مادلين طبر… من بيروت إلى قلوب المصريين
تبقى مادلين طبر نموذجًا للفنانة التي تجاوزت حدود الجغرافيا، لتصبح جزءًا أصيلًا من الثقافة المصرية.
هي ابنة بيروت، لكنها في القلب من القاهرة، وروحها تسكن في وجدان المشاهد المصري منذ سنوات.
ومع تكريمها الأخير من المركز الكاثوليكي المصري، تثبت أنها لم تكن ضيفة على هذا الوطن، بل واحدة من بناته.


















