يكشف ذلك الديوان عن حالة عارمة من التيه المستمر والاغتراب الداخلي العنيف، في بكائية ملتهبة على الذات الفردية المنسحقة تحت وطأة ذلك العالم الصخر، وهي حالة مسيطرة على الديوان كله منذ عنوانه حتى خاتمته، فلا يكاد نص يخلو منها أو ينأى عنها، وهي حالة مفروضة على الذات الشاعرة قسرا وإجبارا، في علاقتها بالحياة والعالم، تلك العلاقة التي تحولت رغما عنها إلى صراع وجودي مرير، فهي ذات تحب الحياة وتحب العالم رغم كل ما يصيبها من خسائر وأهوال:
أنت تفهم معنى انضفار الخسائر في رأس عمرك
معنى طراوة حسك قدام هول الحياة المروع
معنى انتصارك في عركة كان خصمك فيها المحبة للعالم الوغد
لكنه عالم كما قال وغد، وهو كذلك عالم ذئب:
وأعرف أنك تجري من العالم الذئب
للعالم الوعل
فلا يقيم العالم لهذه المحبة وزنا، فكلما مدت له هذه الذات يدا جرحها بمخالبه السيوف:
هذي سيوف الحياة اشتقن صحبتنا
كأننا قد خُلقنا من رؤى الغِمد
فعالم كهذا وغد ذئب ليس أمام العائش فيه – إن كان ثم عيش- إلا الفرار والفرار، بحثا عن ذلك العالم الوعل، في فرار ضبابي هائم لا بوصلة فيه ولا وجهة:
تحار مسالكه بين مما وأين
ليتحول ذلك الفرار إلى تيه جارف، ووحشة مستبدة، فهو تائه حتى عن ظله:
لم يجد ظلَّه قربه
بل حتى عن نفسه:
أيهذا المدثَّر بالحزن
لستَ وحيدًا
ولستَ معكْ
وهذه الحالة من التيه والحيرة ليست حالة خاصة بالشاعر وحده، بل هي حالة عامة في ذلك الزمن الفوضوي المضطرب، وفي تلك الحياة العبثية الجبرية التي تحرك الناس كالدمى:
والناس حولي دُمًى حيرى يحركها
خيط حزين عن الغايات لا يدري
فإذا أراد الإنسان منها فرارا فإنما إليها يفر، كأن ذلك التيه مصير حتمي لا يملك منه انفكاكا:
مسلسلا فر من أسر إلى أسر
ليسقط حينئذ في لجج التيه الآسرة، غارقا في دوامة تيه أبدي، يحاصره من كل اتجاه:
( القصد مجهول أمام بصيرتي
وورائي المجهول ألف مطارِدِ)
إن إنسانا هذه حاله بما فيها من تيه واغتراب، لا بد أن يفكر في بيته، ووطنه، وأن يلجأ إليهما، وهو ما يفسر تلك القصائد التي تشغل حيزا غير قليل عن بيته وبلاده ووطنه.
لكن تلك العلاقة بينه وبين بلاده تصبح هي الأخرى صدى للتيه والغربة، إذ تصير انعكاسا لصراعه مع العالم الذئب، وصورة أخرى لعلاقته به، تلك العلاقة القائمة على المحبة من طرف، والرفض والإقصاء من الطرف الآخر في قسوة وعنف، فهو يستصرخ وطنه ويرجوه ويستعطفه:
افتح الباب.. أنا ابنك يا وطني
هذا أنا يا بلادي قشة سقطت
من عش عصفورة عطشى لمنبجس
فلتَقبليني شعاعا ملء حسرته
أن لم يجد في المرائي شبر منعكَس
ويبلغ في عشقه لتلك البلاد درجة التماهي الكامل:
شربت سماءكِ نجما فنجما
ومن خمر نيلكِ صرت نواسي
لكنه لا يجد من بلاده إلا الرفض وما فيه من خيبة أمل ومرارة وأسى:
كأني في براحك سرب طير
يهيم ولم يجد إلا الشتاء
ليصبح منفيا في وطنه، يعاني من تلك الحالة التي يسميها الشاعر في عنوان إحدى قصائده بالمنفى الوطني، لكنه يتصالح مع هذه المعاناة وتلك القسوة الوطنية، راجيا فحسب أن تمتزج بشيء من عطف، وقليل من مواساة:
فليت بلاديَ تقسو بعطف
وليت لها منطقا فتواسي
لتتلبسه وهو في تلك الحال من الرفض الوجودي من العالم ومن الوطن روح رومانتيكية حالمة، بلجوئه إلى الفن وإلى الطبيعة وإلى الحلم، بوصفها تعويضا رمزيا عن الضياع والرفض، كرد فعل دفاعي، وشكل من أشكال المقاومة، وصناعة الوجود الذاتي.
فبعد أن انغلق أمامه كل طريق، لم يبق إلا طريق الخيال والفن، ففيه وحده يربي عزاءه، إذ فيه وحده يمتلك القدرة على الفعل، وفيه وحده يستطيع أن يقلب الموازين، ويبدل الأدوار، ليصير هو الذئب وليس العالم:
سترسم في دفتر الليل فيفاء مقمرة
ثم تقفز ذئبا
يُموِّج حيرته فوق حزن الجبال عواء
وأنت تُنكس راية صمتك
تكتب عن شبع بانتصار الكلام
وهذا انتصار يربي العزاء
إذ للفن قوة سحرية مهولة قادرة على قلب الأوضاع من النقيض إلى النقيض، وعلى صناعة الخوارق والمعجزات المستحيلة، فإذا القلب الأسفلتي الميت يصير بقوة الفن ريفا مخضوضرا يانعا:
ثَمَّ أغنية سوف تَقلب أسفلت قلبك ريفْ
كما يلجأ إلى الطبيعة آويا إليها مؤتنسا بها:
( ترك الناس في حربهم يتداعون
ثم تقصى مآربه في الطبيعة
أمَّ خراف مشاعره
نحو عشب خصيب
لكنه ليس لجوء الهارب إلى صخرة صماء، يحتمي بها ويختفي وراءها، بل يؤنسنها ويشعر بها ويشفق عليها:
قبَّلتُ كل دموع الطير معتذرا
عن سطوة الخوف من صياده الشرس
ويركز عليها في عملية قلب للمألوف، جاعلا منها بؤرة نظره واهتمامه، وجاعلا من البشر شيئا هامشيا طارئا:
وانظر الآن
هذي الشوارعُ تسْتَروِح العابرين من الخطوات الثقيلةِ
والريحُ مرهقةٌ من شهيق العبورْ
والزحامُ استراح من الكائناتِ
وسار إلى خاطر المتعبين
أليس لعشب على ضفة النهر مفترِشٌ
وهو يرمي عن الذكريات خطيئاته
يتخفف من صبره
والمواعيدِ مبتورةِ الوعد والواعدين
ويطرد هادرة البشريينَ من باله
يتأمل هذا الفراغَ الكثير
وينصت من رئتيه لمعزوفة تتموسق من مَرْوَح الفجر
ويجعل منها رفيقا يبثه آلامه وأحزانه، كما في ذلك المقطع الذي يخاطب فيه الحمامة، ليذكرنا بحمامة أبي فراس ( أقول وقد ناحت بقربي حمامة):
كسرْتُ القوس تهدئة لقلبي
وإذ بحمامة تدنو احتفاءَ
تنائِي، لي مشيئاتٌ بقلبي
وما لي في الغريزة أن أشاء
تنائي، ليس بي شر ولكنّ
بعض الشر يبدو لي براء
حتى قوله:
ولكني شبيهكِ في الهوى، لي
بلاد طفتُها طيرا حُداء
لعل رياحها تشتاق ريشي
وعلّ عيونها تهفو لقاء
كما يجعل منها رمزا لذاته وصورة لنفسه، ومعادلا موضوعيا لما مر به من تيه واغتراب ومعاناة:
ريشةٌ سقطت
وببطء خفيف تحاول أن تتعلق بالريح خائفة
تتجذَّب ثوب الهواء الشفيف ببطء
وثَمّ ارتطام وشيك
مُسارِعةً في السؤال مسارعة
أين عاشت وكيف ذوت
وحدها الريح تعرف من أيِّما طائرٍ قد


















