في غزة لم تعد الكاميرا مجرد أداة لنقل الحقيقة، بل أصبحت هدفًا عسكريًا، ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، يسقط الصحفيون تباعًا، لتُسجل الحرب الحالية أعلى حصيلة شهداء في صفوف الإعلاميين في تاريخ الصراعات الحديثة، حيث ارتفع عدد شهداء الصحافة إلى 245 صحفيًا، وفق إحصاءات موثقة من مؤسسات دولية.
الصحافة في غزة تدفع ثمن توثيق المجازر
أعادت المذبحة الأخيرة التي ارتكبها جيش الاحتلال في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، والتي أسفرت عن استشهاد 20 فلسطينيًا، بينهم خمسة صحفيين يعملون مع وكالات عالمية كـ”رويترز”، “أسوشيتد برس”، و”الجزيرة”، فتح ملف يحاول الاحتلال التعتيم عليه.
تحت ذريعة كاميرا نصبتها حماس، بحسب رواية الاحتلال، استُهدف المستشفى ومحيطه بطائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة، لتصمت بذلك عدسة الحقيقة وتُطمر شهادات الصحفيين تحت ركام مبررات واهية كما هومعتاد
أحمد يونس: استهداف الصحفيين ليس صدفة.. بل سياسة لكسر الكاميرا واحتكار الرواية
يقول المحلل السياسي اللبناني أحمد يونس في حديثه لـ “الحرية” إن استهداف الصحفيين في غزة لم يعد يُقرأ كحادثة عرضية أو نتيجة خطأ عسكري كما تحاول إسرائيل تصويره، بل بات يُفهم في سياق أوسع يتصل بالحرب على الرواية، وليس فقط الحرب على الأرض”.

ويضيف أن وجود عشرات الصحفيين الفلسطينيين والدوليين في الميدان، يُشكل تهديدًا مباشرًا لاستراتيجية الاحتلال التي تعتمد على تبرير العمليات العسكرية وطمس آثارها.
ويرى يونس أن المشاهد التي توثقها الكاميرات، خصوصاً حين تُبث مباشرة على الهواء، تكسر احتكار السردية وتفضح حجم الخسائر البشرية بين المدنيين، الأمر الذي يزيد الضغوط السياسية والقانونية على تل أبيب في المحافل الدولية، مشيرًا إلى أن ضرب تجمعات الصحفيين، حتى وإن لم يُعلن رسميًا، يدخل في منطق إسكات الشهود، ومحاولة تقليص مساحة التوثيق إلى الحد الأدنى.
وأكد يونس أن الأبعاد السياسية لهذه الجرائم تتعدى حدود غزة، لأنها تكشف هشاشة الادعاء الإسرائيلي بأن عملياته دقيقة، ولا تستهدف المدنيين، قائلًا: “عندما يُقتل صحفيون معروفون يعملون لصالح وكالات عالمية كرويترز وأسوشييتد برس والجزيرة، فإن الرأي العام الغربي يواجه فجوة حقيقية بين الرواية الرسمية الإسرائيلية والواقع الموثق بالصوت والصورة”، وهو ما يُضعف مواقف الحكومات الغربية أمام شعوبها، ويزيد من حرجها أمام المنظمات الحقوقية.
وأوضح يونس أن الحرب لم تعد مواجهة عسكرية مع حماس فقط، بل تحولت إلى محاولة لشل المجتمع الفلسطيني نفسه، عبر استهداف المستشفيات ورجال الإسعاف والصحفيين، مؤكدًا أن هذا التوجه، ينتج عنه بيئة يائسة، تُمهد لانفجار أوسع، وذلك خاصةً مع تصاعد الغضب في الضفة، وتزايد التوترات في لبنان واليمن، وتحركات الشارع العربي والدولي.
وقال يونس: “الغاية الأساسية من استهداف الصحفيين ليست القضاء على أفراد بعينهم، بل إيصال رسالة مفادها أن نقل الصورة بات عملاً محفوفًا بالموت”، مؤكدًا أن النتيجة قد تنقلب على إسرائيل، إذ أن سقوط هذا العدد من الصحفيين يعزز صورتها كدولة تضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية، ويضعها في مرمى الاتهامات المتكررة بارتكاب جرائم حرب.
أيمن الرقب: الاحتلال يستهدف الصحفيين لأنهم كشفوا جرائمه.. وغزة إلى المجهول
يرى الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، في حديثه لـ”الحرية” أن استهداف الصحفيين في غزة لم يكن صدفة ولا خطأ عسكرياً كما تدعي إسرائيل، بل جزء من سياسة متعمدة لإسكات الحقيقة وكسر عدسات الكاميرات التي وثقت المأساة.

ويشير الرقب إلى تصريحات مراسل قناة A24 الإسرائيلية إلى أن “الصحفيين في غزة يُلصق بهم صفة الانتماء لحركة حماس، وبالتالي يُشرعن استهدافهم وكأنهم أهداف عسكرية.
وقال الرقب: “الاحتلال يعتبر أن كل الصحفيين كانوا جزءاً من المعركة لأنهم كشفوا واقع غزة، ووثقوا جرائم الحرب، وأظهروا للعالم صور التجويع والدمار، وهو ما سبب إحراجاً كبيراً لإسرائيل على الساحة الدولية”، مؤكدًا أن الاحتلال يرى أن كل الشعب الفلسطيني بمن فيهم الصحفيون هم نخبة من حماس، ولذلك يضربهم دون تمييز.
وأكد الرقب أن القوانين الدولية تحرم استهداف الصحفيين وتمنحهم حماية كاملة خلال النزاعات المسلحة، لكن الاحتلال لا يعترف بأي من هذه القوانين، ويتصرف ككيان فوق القانون، مشيراً إلى أن هذا الاستهداف الممنهج يعكس فشل إسرائيل في إدارة المعركة إعلامياً، بعد أن كسب الصحفيون الميدان الأخلاقي والإنساني أمام العالم.
يرى الرقب أن القطاع يتجه إلى المجهول، وسط محاولات مصرية جادة لإعادة ترتيب الأوراق الفلسطينية، ووقف الكارثة الإنسانية، مؤكدًا أن الاحتلال الإسرائيلي يعرقل كل هذه الجهود، مدعوماً بموقف أمريكي يُغطي على جرائمه”، مشدداً على أن وقف الحرب قد يفتح الباب أمام إعادة الإعمار وبناء الأمل من جديد، شريطة وجود دعم عربي ودولي صادق لإعادة الروح للقضية الفلسطينية.
علي الأعور: إسرائيل تخوض حربًا ضد الحقيقة
يؤكد الدكتور علي الأعور المحلل السياسي الفلسطيني في حديثه لـ “الحرية”أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين في غزة جريمة كبرى ومنهجية، موضحًا أن ما يحدث لم يعد استثناءً أو نيرانًا طائشة، بل سياسة مدروسة ومتعمدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تهدف إلى قتل عين الحقيقة ومنع الإعلام من توثيق جرائم الحرب.

وقال الأعور: “أما الجريمة الكبرى التي ارتكبتها إسرائيل فهي استهداف الصحفيين. قبل أسبوعين استُهدف صحفيو قناة الجزيرة، وسقط أربعة شهداء، يتقدمهم الشهيد أنس الشريف، في عملية اغتيال اعترف بها الجيش الإسرائيلي، ويوم أمس، قُصف مستشفى ناصر الطبي، واستُشهد خلاله 20 شخصًا، من بينهم ستة صحفيين يتبعون وكالات دولية مثل أسوشييتد برس، رويترز، والجزيرة”.
وأشار إلى أن الحرب على الصحافة هي في جوهرها حرب على الشهود، مؤكدًا أن عدد الشهداء من الصحفيين الفلسطينيين بلغ 245 منذ بداية الحرب، وهذا رقم يكشف أن هناك استراتيجية لإسكات الكاميرا والقلم، ولمنع أي رواية مغايرة تفضح الإبادة التي تُرتكب بحق المدنيين في غزة.
وشدّد على أن إسرائيل تريد السيطرة على السردية الإعلامية، ومحو أي توثيق قد يُستخدم لاحقًا في محاكمات دولية، مضيفًا: “إسرائيل تخشى الكاميرا أكثر مما تخشى البندقية، ولهذا السبب كان الصحفيون على رأس قوائم الاستهداف.”
وفي سياق متصل، يرى الأعور أن الأزمة لم تعد مقتصرة على غزة فقط، بل إن تل أبيب نفسها تشهد تحولات داخلية غير مسبوقة، وسط مظاهرات شعبية في تل أبيب وضغوط من داخل الجيش، تحديدًا من رئيس الأركان إيال زمير.
ويقول الأعور: “اليوم، زمير يقول بصوت مرتفع إن الصفقة جاهزة، ويطلب من نتنياهو قبولها. هذا يعني أنه لم يعد هناك دعم كامل لسياسة الحسم العسكري، خصوصًا مع وجود عشرين أسيرًا إسرائيليًا لدى حماس”.
ويتابع: “الجيش الإسرائيلي ينضم إلى الشارع ويضغط من أجل إنهاء الحرب، لأن الكلفة البشرية والعسكرية باهظة، خصوصًا إذا فُقد هؤلاء الأسرى خلال عملية برية فاشلة في مدينة غزة”.
وأكد أن نتنياهو محاصر بين رغبة الشارع وخيارات الجيش، قائلاً: “بتقديري، نحن ذاهبون إلى صفقة تبادل أسرى جزئية قريبًا، لأن نتنياهو لن يجرؤ على تحمل مسؤولية مقتل الأسرى”.
وأشار الأعور إلى أن صور الهياكل العظمية القادمة من غزة كانت صادمة للعالم، وشكلت نقطة تحول في الخطاب الدولي تجاه الحرب، قائلاً: “صور المجاعة التي نقلها الصحفيون أثّرت في أوروبا، ودفعت بريطانيا وفرنسا إلى إدانة سياسة التجويع، حتى ترامب تحدث عنها، رغم دعمه المستمر لنتنياهو.”
وأضاف: “المجتمع الدولي انتفض على مشاهد المدنيين الذين يُقتلون أمام مراكز توزيع الطحين، وعلى اعترافات الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار عليهم، لهذا السبب، الصحفيون هم الهدف الأول، لأنهم من كشفوا تلك الجرائم”.
اقرأ أيضًا: إبراهيم الدراوي لـ”الحرية”: ما يجري في غزة إبادة جماعية بدعم أمريكي واضح.. ومخطط التهجير فشل بجهود مصرية





















