فجرت مستندات رسمية وشكاوى مقدمة أمام جهات التحقيق بركاناً من الغضب حول واقعة “فساد كبرى” واستغلال نفوذ داخل محراب العلم، تمثلت في التعدي بالبيع على مساحة أرض مملوكة للدولة تُقدر بنحو 16 ألف متر مربع مخصصة للمنفعة والعملية التعليمية، والواقعة بالكامل داخل سور حرم جامعة سوهاج بمنطقة الكوامل. وتبين من تفاصيل الشكوى قيام رئيس جامعة سوهاج الأسبق بإبرام عقود بيع “باطلة” وتخصيص الأراضي لبناء 11 برجاً سكنياً لـ 352 مساهماً من أعضاء هيئة التدريس بالمخالفة الصارمة للقوانين التي تمنع التصرف في أراضي المنفعة العامة، لتضع قادة المنظومة التعليمية السابقة بالجامعة تحت مقصلة المساءلة الجنائية بتهم إهدار المال العام والنصب والاعتداء على ممتلكات الدولة.
خديعة “الكيان الوهمي”.. كيف تحول حرم الجامعة إلى “أبراج سكنية”؟
تعود جذور القضية المدوية إلى شهر مايو الجاري، بعدما تكشفت خيوط المخطط الذي بدأ عام 2009 حينما قرر مجلس جامعة سوهاج آنذاك، برئاسة رئيس الجامعة الأسبق الدكتور م. س. إ، إنشاء مدينة سكنية لأعضاء هيئة التدريس على أراضٍ مخصصة حصرياً للبناء التعليمي. وشهد ذلك المجلس اعتراضاً رسمياً حاداً ومسجلاً بمحضر الجلسة من محافظ سوهاج الأسبق اللواء محسن نعماني، الذي أكد صراحةً عدم جواز تحويل المنفعة التعليمية إلى سكنية. ورغم ذلك التحذير، ضربت إدارة الجامعة بالقانون عرض الحائط، وقامت خلال الفترة من 2009 حتى 2014 بجمع مبالغ ضخمة من الأساتذة المساهمين بلغت نحو 38 مليون جنيه تحت بند أقساط السكن.
وتطورت كواليس الحادثة بظهور كيان “وهمي” غير مشهر لدى وزارة التضامن والتحول من حق الانتفاع إلى التمليك الكامل، ليقوم الدكتور أ. ع. ع (الأستاذ بكلية العلوم ورئيس جامعة سوهاج الأسبق) في 23 يونيو من العام 2021 بتوقيع عقد بيع نهائي للأرض بصفته الوظيفية ومذيل بختم النسر ومراجع من الشئون القانونية، لبيع الأرض للمساهمين ومن بينهم هو نفسه كـ “طرف مشترٍ” مستفيد بالوحدة رقم 21 بملحق المشروع، محققاً مصلحة مباشرة ومخالفة صريحة لكراسات الشروط الأساسية. وشارك في إدارة هذا الكيان وتمرير العقود الدكتور أ. م. ح. م رئيس مجلس إدارة مشروع المدينة السكنية.
وهم “الأموال العامة” وتزوير التوكيلات المُلغاة لإشعال الأزمة
كشفت أوراق القضية عن مناورة إدارية قادها رئيس الجامعة الأسبق الدكتور أ. ع. ع لإقناع الأساتذة بشرعية البيع، حيث استغل قيام نيابة الأموال العامة بأسيوط في عام 2018 بفرض غرامة مالية قدرها 8 ملايين جنيه تقريبًا لجبر الضرر الواقع على المال العام ضد 40 اسماً من مجالس إدارات الجامعة المتعاقبة (من بينهم رؤساء الجامعة المتتالين الدكتور م. س. إ، والدكتور ن. ن، والدكتور أ. ع. ع) نتيجة قراراتهم المعيبة بالبناء المخالف. وقام رئيس الجامعة الأسبق بجمع مبلغ الغرامة من المساهمين موهماً إياهم بأن هذا المبلغ هو “قيمة شراء الأرض” بموافقة النيابة، وهو ما فسرته التحقيقات الإدارية بأنه تفسير خاطئ لقرارات النيابة، وتذرع بفتوى من مجلس الدولة تبيح البيع للجمعيات المشهرة وليس للأفراد.
وفجرت الشكوى التي تقدم بها الدكتور لؤي عبد الحي محمد قابيل، المدرس بكلية الألسن بجامعة سوهاج وأحد المتضررين والمساهمين، مفاجأة قضائية حول استخدام توكيلات ملغاة. وأوضح الشاكي أنه كان قد حرر توكيلاً يحمل رقم 279 لسنة 2020 لكل من: الدكتور الدرس خلف شكر عبد الله، والدكتور أحمد محمد حسانين مهران، والدكتور معتمد السيد محمود علي، وأحد الموظفين ويدعى حمزة السيد حمزة السيد. ورغم قيامه بإلغاء التوكيل رسمياً على يد محضر في أبريل 2021، قام المذكورون باستخدام التوكيل الملغي والتوقيع بموجبه كـ “طرف مشترٍ” في عقد البيع الباطل الصادر في يونيو 2021.
وأدت تلك المخالفات القانونية الصارخة وصدمة العوار القانوني إلى رفض رؤساء الجامعة اللاحقين منذ عام 2022 وجهاز مدينة سوهاج الجديدة الاعتراف بالعقد أو إدخال المرافق للأبراج. وطالب الشاكون بفتح تحقيق قضائي عاجل مع كافة الأطراف والأساتذة المتورطين للوقوف على مصير الـ 38 مليون جنيه والـ 8 ملايين جنيه المنهوبة، تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية الصارمة بحماية أراضي وممتلكات الدولة ومنع التعدي عليها بأي شكل من الأشكال، ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الجامعة حول الواقعة.























