بقلم – أحمد منتصر:
انقلاب وراء انقلاب في أفريقيا!
ستة انقلابات منها حدثت في غضون عامين فقط، والأغرب أن تلك الانقلابات قد وقعت ولازالت تحدث في بلدان كانت مستعمرات فرنسية سابقة (مستقرة)، ولم يزل بها نفوذ فرنسي، ولكن يبدو أن ذلك قد بدأ ينحسر.
أربع دول، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، والجابون، – بالإضافة إلى تشاد – كانت فرنسا تعتقد أنها هي المهيمنة، سواء عسكريا عن طريق القواعد الفرنسية، أو اقتصاديا عن طريق الشركات الخاصة، لكن سريعا ما انقلب الوضع وتغير، وأصبحت تلك الدول تطالب برحيل أي وجود فرنسي!
انقلاب الجابون وقبله النيجر، هزيمة أخرى لفرنسا!
يمثل الانقلاب في دولة الجابون الواقعة في غرب أفريقيا ضربة قوية أخرى لطموحات فرنسا في البقاء لاعبا مهيمنا في إفريقيا، ويُظهِر أن المشاعر المعادية لفرنسا قوية في مستعمراتها السابقة، في حين تسعى باريس جاهدة للحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ وحماية استراتيجيتها في القارة من الانهيار. ولكننا نشهد في عهد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أفول ونهاية حقيقية للحقبة الفرنسية، خاصة في غرب أفريقيا. بالإضافة إلى ذلك فأن أهمية هذه الدول بالذات ينبع من أهمية الموارد الطبيعية التي تحتاجها فرنسا وبشدة، خاصة المعادن النادرة وعلى رأسها اليورانيوم الذي تعتمد عليه فرنسا كي تشغل محطات الطاقة النووية لديها، حيث توفر النيجر ما يصل إلى 20% من اليورانيوم الذي تحتاجه فرنسا. وتقوم الشركات الفرنسية بتعدين اليورانيوم منذ أكثر من 40 عاما في النيجر.
التواجد العسكري الفرنسي استمر في مناطق المستعمرات في غرب أفريقيا ودول الساحل المعروفة باسم ايكواس – حتى بعد استقلال تلك الدول، بل وتزايد في العقد الماضي، حيث سعت فرنسا بشدة إلى تأكيد وجودها في منطقة الساحل من تشاد في الشرق وحتى موريتانيا في الغرب وذلك من خلال الاحتفاظ بآلاف القوات في المنطقة شبه القاحلة الشاسعة على الطرف الجنوبي للصحراء الكبرى تحت مظلة مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة كبوكو حرام وتنظيم القاعدة وغيرهم – والتي ويا للعجب قد عادت تلك الجماعات المتطرفة للظهور بل وتوسعت -، فلفرنسا نحو 1500 جندي في النيجر وحدها في واحدة من أهم قواعدها العسكرية في المنطقة، كما للولايات المتحدة الأمريكية أيضا قاعدة عسكرية كبيرة للطائرات بدون طيار (المسيرات) في النيجر ايضا وهي التي تقوم منها بضرب الأهداف المحددة في وسط القارة. وقد تشاركت القوات الفرنسية والأمريكية في قتال الجماعات المتطرفة انطلاقا من هذه المنطقة الاستراتيجية. كان هدف فرنسا هو منع المتطرفين من السيطرة على المنطقة. فقد أنشأت قواعد عسكرية، وأدارت أسطولاً من المروحيات العسكرية، وقامت بدوريات عبر منطقة الساحل، ودربت جنوداً أفارقة، لمكافحة الجماعات المتطرفة. وقد حظيت جهود فرنسا بدعم دول أوروبية أخرى، فمنطقة الساحل أصبحت مكانا تدير فيه تلك الجماعات ممرات مربحة لتهريب البشر والمخدرات والأسلحة إلى أوروبا. كما أجبر العنف في المنطقة السكان على الفرار واتجه العديد منهم نحو أوروبا ايضا.
فرنسا تثير الغضب
لكن استراتيجية فرنسا أثارت الغضب، فقد كان يُنظر إليها على أنها تدعم حكومات استبدادية لا تحظى بالشعبية، وتُتهم بانتهاكات حقوق الإنسان والفساد العميق والإهمال الكارثي لأجزاء من بلدانها. بل أن المنتقدين حتى في الداخل الفرنسي حذروا مرارا من أن هذا النهج لم يكن ناجحا، فقد أدى إلى تدهور العلاقات بين المجموعات العرقية والمجتمعات المحلية، مما خلق المزيد من الاستياء بين سكان منطقة الساحل الذين يرون القوات الفرنسية قوة استعمارية أعادت لذاكرتهم فترة سوداء من التاريخ. وقد رأينا بعد استيلاء الجيش على السلطة في النيجر نزول حشود ضخمة إلى الشوارع للتعبير عن المشاعر المعادية لفرنسا، وقد هوجمت السفارة الفرنسية في العاصمة نيامي، وهو مؤشر على تكرار ما حدث من قبل في مالي وبوركينا فاسو، مما اجبر فرنسا على سحب قواتها من تلك البلدان.
السؤال الأساسي.. هل تمثل الانقلابات العسكرية الأخيرة المتلاحقة نقطة اللاعودة لتفكك وانكفاء النفوذ الاقتصادي والعسكري المهيمن لفرنسا على دول غرب افريقيا؟ ربما نجد في الأيام القادمة اجابة على هذا التساؤل.




















