هذه هى المرة الأولى التى أكتب فيها إنطباعى بعد قراءة أى كتاب، وهنا أكتب عن رواية عمار علي حسن الجديدة “ملحمة المطاريد” الصادرة فى ثلاثة أجزاء ، ذلك أننى قد تفاعلت مع شخوص وأحداث الرواية بشكل قد يكون مختلفا عن كثير من الروايات التي قرأتها.
ربما يكون هذا الشعور بسبب أننى فلاح أبن فلاح وقد أحببت الأرض والزراعة وأهالينا الفلاحين الطيبين وخاصة خلال سنوات السبعينات ، أيام الساقية والنورج وقبل أن تغزو الميكنة الأراضى وقبل أن يرتدى الفلاح ملابس رياضية فى الغيط وكانت الجيرة شيئ له قدسية والمودة والتعاون سائد بين الجميع ، وكانت هناك بالطبع بعض الأحداث قد تجرى من آن لأخر، وغالباً كانت تمر بسلام وإن كانت تترك فى النفوس بعض الأثر .
أخذتني “ملحمة المطاريد” إلى زمن قديم وأحداث متنوعة وشخوص كثيرة حتى أنى فى بعض الأحيان أبحث عن بعضهم ، ففى قرية فى صعيد مصر وقد بدأ المؤلف بهذا الإهداء : ” إلى أهل قريتى “الوصيلة” التى أكلها النيل فى فيضانه قبل قرن ، فهرب أهلها بالحكايات ، وحين غرسوها فى صفحات الأيام وصلت إل مسامعنا نحن الأحفاد أسطورة كبرى ، بينما كانت أقدامنا تدب فى شوارع قرية جديدة أسموها “الإسماعيلية” تعيش اللآن وديعة مجهدة فى وسط الصعيد .”
تدور أحداث الرواية فى جو يصطحب فيه المؤلف القارئ إلى الأماكن التى يعيش فيها الأشخاص والزراعات والبيوت الفقيرة والسرايات والقصور ويتسيد نهر النيل المشاهد فهو البطل الذى إذا ما رضى عن الأرض افاض عليها الخير والنعيم وإذا غضب أغرق ودمر كل من يقف فى طريقه ، وفى خضم الأحداث ودون الدخول فى تفاصيل حيث أنها كثيرة للغاية ومتغيرة وتقع فى فترات متفاوتة ، عاش فيها كثيرون ورحلوا عن الدنيا وجاء غيرهم ، وكان اللافت أن الشخوص كثير وكأنه قد تم حصرهم من سجلات القرية، وأذكر بعضهم : [ رضوان الصابر – إبراهيم الجابر – محروس – حمزة – مفيدة – وهدان – غنوم – عمر – مساعد الجابر – خليفة شيخ الطريقة – نبوية – منصورة – جعفر – زاهر – منصور – رقية – عطا الله – زينب – فالح – رفيدة – سعد الله – محمد – خديجة – حورية – أم الخير – مالك – عبد الرحمن – عبد البديع – جمال الدين – مصطفى – مهدى – سعدون – عسران – مشحوت – كاترين – خير الله – التاجر عطوة السايح – مالك – عبد الرحمن – عبد البديع – جمال الدين – مصطفى – مهدى – سعدون – عسران – مشحوت – كاترين – خير الله – التاجر عطوة السايح – بسخرون المزين – سابا – سالم – يونس الجابر – بديعة الخادمة التى أصبحت سيدة القصر – همام – درويش – سلامة – بحر – محبوب أبن الخطيئة الذى تزوج عطيات وبعدها بشهر واحد تم تعيينة عمدة الجابرية – غلاب – حميدة – عويس – بديعة – على الحميلى شيخ طريقة – روحية – همام – درويش – حورية – مرعى – بدران – عمر – ناجى – رسمية – مرتجى الجابر – رشدان – عبلة – محمود – الشيخ مقبول – محبوب زوج عطيات – وغيرهم من شخوص الرواية بخلاف الذين تم الإشارة إليهم بمناصبهم كالسنجق و العساس و قائد التجريدة ، والثابت فى كل الفترات الطباع والتطبع وتحكم الأعراف والمجادلة فى كثير من الأمور وما تضمره النفوس وما تظهره .
وحتى لا أطيل فى سرد ما تناولته الرواية بأجزاءها الثلاثة سأورد بعض الفقرات كما وردت بالرواية (الثلاثية) كما هى دون مراعاة للترتيب :
“تحلوالحكايات فوق مركب يمضى على مهل فى مياه النيل”
أثناء وليمة يقول إمام المسجد هذه الأبيات :
الحمد لله ربى خالق الجزرا
والفول والعدس والخبيز للفقرا
ثم الرستييه أيضاً والكشيك لهم
والحب والرمان والططباج للأمرا
[وتم الإشارة إلى أنها للشاعر : موسى بن عبد الله الدهمراوى (ضوء المصباح فى المآكل الملاح)
وعلى الرباب نسمع :
الخطوة سابقة اختها والعمر ولى هرايب
دى عيلة مال بختها ومين يلم القرايب
[ نهاية الجزء الأول]
جريح وطبه غايب والغضب سايل بحور
والعقل يجرى هرايب من جدع دمه يفور
[ نهاية الجزء الثانى]
ملأ أذنيه عزف الرباب بلا قوالين ، صار هو القوال ، تنهد فى حرقة وجاء صوته مجروحاً بالغناء :
صابر والزمن غدار يعاند اللى يريده
بيده كاس دوار كل ما ينقص يزيده
فجاء رد بصوت ندى لا يعرف من أين ينبعث
حزين وماشى فى طريق والخطو داس النهاية
مستنى ييجى رقيق يمد خيط النهاية
[نهاية الجزء الثالث]
غناءهم الصافى فوق الماء : هنا من الرجالة مية والرزق يحب الخفية
[ركب عمر الدوكار يسوقه الحوزى وأمامه الأمشجية يوسعون له الطريق إلى البندر ..]
“وتستعذب الناس النميمة ، تكبر فى رؤوسهم أسرع من الزرع والعيال ، تلتقطها الآذان ، فتسكن الرؤوس المشدودة إلى الأوهام والخيالات المريضة ، تدور كدوامات الريح التى تتسع دوائرها فتثير الغبار بلا هوادة كل منهم يضع لها دائرة فرحاً بها ويرحبها بحروف الكلام المنمق ، الذى يضيفه إليها من عنده ، دون أن يرف له جفن ، ومن الكلام صنف لا ينسى بعضه بعضاً ولا ينسخه”
” يتناقل الكلام همس من أفواه النسوة بهدوء ويجرى كالماء العذب فى حلوق الظامئين”
” وجدا نفسيهما يسيران نحو الجسر ، تراهما النجوم الزاهرة فى هذه الليلة المظلمة ، ويملأ أذنيهما نقيق الضفادع ونباح الكلاب وهمسات الزرع حين تداعب شواشيه النسائم الطرية ، ….. ”
” ليس معه إلا الرجل الذى يدس له الحشيش فى المعسل ”
“يدب اليأس فى نفوس المتواكلين أما المتوكلون فيدركون أن الله قد منحهم القدرة على أن يبددوا القبيح بالجميل والردئ بالحسن والشر بالخير”
ناجى القاضى ينظر دعوى المتهم فيها أبن أحد الباشوات وحديث عن إسنادها إلى قاضى آخر حيث لا يمكن أن يكون مرتشى [ كانت القضايا من أبن الباشا ضد زوجته ورئيسه تأكد من أنها سيقضى فيها شرعاً وقانوناً لصالح الزوجة ، وطلب الباشا اسنادها لآخر ولكن رئيسه أكد أنه لا يستطيع ذلك ، ولكنه طلب نقله إلى وظيفة أخرى وتولى الباشا هذا الأمر وتم نقل ناجى إلى نظارة المعارف … إنه الريف وما أطيبه رغم الفقر والحاجة وكسر نفوس الفقراء والطمع والجشع والحقد والغل .. إنها رواية تأخذ القارئ إلى الأماكن والفترات الزمنية التى يحبها ويبتهج فيها حيث كان الأزهر منارة للعلم ومدرسة للعلماء والبندر يتطلع إليه كل محبى الارتقاء والقاهرة العريقة الزاهرة الفاتنة فى الأحياء المحببة إلى النفوس.




















