قال الدكتور عصام حجي، العالم المصري البارز بوكالة الفضاء الأمريكية ناسسا، إن الهدف من طرح تساؤلاته بشأن إدارة ملفات المياه هو الدعوة إلى مراجعة المفاهيم الخاطئة وتغليب المصلحة العامة، وذلك تعليقًا على تصريحات وزير الموارد المائية والري بشأن الاعتماد على الأبحاث العلمية.
وأضاف حجي، خلال منشور له عبر صفحته على “فيسبوك”، أن سؤالًا مهمًا يفرض نفسه: “هل كان غرق المنوفية العام الماضي أيضًا ضجيجًا ومزايدات، أم كان هناك تحذير علمي سبق الحدث بثلاث سنوات ولم تكن له آذان صاغية؟”.
العلم الحقيقي يتنبأ بالمخاطر قبل وقوعها
وقال: “استمعت بالأمس لتصريحات وزير الموارد المائية والري، والتي أكد فيها أن الوزارة تعتمد على الأبحاث العلمية المحكمة المنشورة في المجلات الدولية، وأنها لا تلتفت إلى الضجيج والمزايدات أو الكلام الكثير والعلم القليل”.
وأضاف: “وأنا أتفق معه تمامًا فالعلم الحقيقي لا يُقاس بعدد التصريحات، وإنما بقدرته على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، ولهذا أطرح مثالًا وسؤالًا من إنتاجنا العلمي الذي تم إهماله وكانت النتيجة كارثية”.
وأشار: “في نوفمبر 2022 نشر فريقنا البحثي دراسة في أحد أهم المجلات الدولية المتخصصة في المجال، حذرنا فيها من أن ردم أعداد كبيرة من القنوات المائية التاريخية في دلتا النيل أي ردم الترع، نتيجة تعديات التوسع العمراني وإنشاء الطرق، أدى إلى فقدان أجزاء من الدلتا لقدرتها الطبيعية على تصريف المياه في الدلتا”.
وتابع: “البحث لم يقتصر على رصد التغيرات، بل خلص إلى أن خطط إدارة وتصريف المياه التي بُنيت على شبكة القنوات القديمة تحتاج إلى مراجعة وتحديث بما يتوافق مع التغيرات التي طرأت على أرض الواقع”.
وأوضح أن الدراسة لم تقتصر على رصد التغيرات، وإنما خلصت إلى أن خطط إدارة وتصريف المياه، التي بُنيت على شبكة القنوات القديمة، تحتاج إلى مراجعة وتحديث بما يتوافق مع التغيرات التي طرأت على أرض الواقع.
وأضاف أنه بعد أقل من ثلاث سنوات، شهدت مصر في أكتوبر 2025 عمليات تصريف مائي من السد العالي، بالتزامن مع تصريف سد النهضة كميات كبيرة من المياه، مشيرًا إلى أن تشغيل منظومة التصريف دون الأخذ في الاعتبار التغيرات التي طرأت على شبكة القنوات، والاعتماد على خطط وخرائط قد لا تعكس الواقع بشكل كامل، أدى إلى تعرض مناطق واسعة في الدلتا، مثل المنوفية والبحيرة، للغمر.
وأكد أنه لا يقول إن الدراسة تنبأت بهذا الحدث بعينه، وإنما إن الآلية التي حذرت منها ظهرت بوضوح على أرض الواقع.
وأشار إلى أن المقارنة بين نتائج الدراسة المنشورة عام 2022 وخريطة المناطق التي تعرضت للغمر في أكتوبر 2025 تكشف عن تطابق مكاني واضح، إذ إن المناطق التي حددتها الدراسة باعتبارها الأكثر فقدانًا لشبكتها التاريخية من القنوات المائية نتيجة الردم والتعدي العمراني، هي نفسها تقريبًا التي شهدت أكبر حالات الغمر.
وأوضح أن هذا التطابق لا يعني بالضرورة أن الدراسة تنبأت بالحادث نفسه أو تثبت بمفردها علاقة سببية، لكنه يمثل مؤشرًا علميًا قويًا على أن الآلية التي حذرت منها كانت حاضرة على أرض الواقع، وأن فقدان شبكة القنوات التاريخية ربما أسهم في تقليل القدرة الهيدروليكية للدلتا على استيعاب وتمرير التصريفات المائية.
وأضاف أن ذلك يطرح سؤالًا علميًا مهمًا حول ما إذا كانت خطط تشغيل وإدارة المياه لا تزال تعتمد على افتراضات وخرائط لشبكة قنوات لم تعد موجودة بالكامل على أرض الواقع، وما إذا كانت البنية الحالية للدلتا ما زالت تمتلك القدرة نفسها على التصريف التي كانت تمتلكها قبل ردم هذه القنوات.
وتابع أنه إذا كانت الوزارة تؤكد أن قراراتها تعتمد على الأبحاث العلمية المحكمة، فإن سؤالًا آخر يفرض نفسه، وهو: إذا كان هذا التطابق بين نتائج الدراسة المنشورة عام 2022 والمناطق التي غرقت قد تحقق بالفعل، فلماذا لم يؤخذ هذا التحذير العلمي في الاعتبار عند مراجعة خطط إدارة وتشغيل المياه؟
كما تساءل عما إذا كانت نتائج الدراسة قد وصلت إلى دوائر صنع القرار، وإذا كانت قد وصلت، فلماذا لم تناقش ولم تؤخذ في الاعتبار عند تحديث خطط إدارة المياه في دلتا النيل.
حجي: تجاهل الأبحاث سبب الأزمة
وأضاف أنه إذا كانت التحذيرات العلمية المنشورة كان من الممكن أن تسهم في الحد من المخاطر، فمن يتحمل مسؤولية عدم الاستفادة منها، ومن يتحمل الخسائر التي تكبدها المواطنون إذا ثبت أن خطط إدارة المياه لم تُحدَّث بما يتوافق مع الواقع الحالي لشبكة القنوات.
وأكد أن اعتبار الأبحاث التي تحذر من المخاطر، وما يصاحبها من تغطيات صحفية، مجرد “ضجيج”، هو سبب هذه الأزمة، وسبب عدم وصول هذه الأبحاث إلى صناع القرار لحماية المواطنين.
وأضاف: “معالي الوزير، لا توجد أبحاث في شكل ضجيج ومزايدات، فكلاهما لا يحتاج إلى عناء النشر العلمي والتحكيم الذي يستغرق سنوات من العمل”.
واختتم بالتأكيد على أن الهدف من طرح هذه الأسئلة ليس توجيه اللوم، وإنما الدعوة إلى تغيير ومراجعة مفاهيم خاطئة وتغليب المصلحة العامة، داعيًا إلى قراءة بحث فريقه الأخير المنشور في مجلة Nature والمتعلق بتحديات قضايا المياه في أفريقيا.



















