في زمن تتساقط فيه القنابل على غزة، ويُذبح الأطفال في الضفة، لا يُقاس الموقف فقط بميزان الدم، بل بميزان الضمير. التاريخ لا يرحم، وهو الآن يكتب سطوره القاسية أمام أعيننا، يرصد من صرخ ومن صمت، من قاوم ومن تواطأ، من قال “لا” رغم البعد، ومن بلع لسانه رغم القرب. وفي مرآة فلسطين، تنكشف الأمة: حكامها، شعوبها، وحتى خصومها.
التاريخ سيكون أقسى على العرب والمسلمين مما يتخيلون. الحكام سيُسجَّلون في صف واحد مع من خانوا الأندلس، ومع من باعوا بغداد للتتار، ومع من وقّعوا اتفاقيات الذل مع الاستعمار. لكن الفرق هنا أن الخيانة اليوم تجري في عصر الإعلام المباشر، حيث تُوثَّق كل صورة وكل كلمة وكل دمعة طفل، فلا مجال للهروب من ذاكرة الشعوب والأجيال القادمة.
أما الشعوب، فالتاريخ سيتعامل معها بميزان أدق:
سيسأل: لماذا صمتت الملايين، واكتفت بالمظاهرات الموسمية أو الدعاء من بعيد؟
سيسجل أن الشعوب، رغم تعاطفها الفطري مع فلسطين، قُهرت بأنظمة الاستبداد حتى فقدت الإرادة والقدرة على التغيير.
سيتذكر أن جزءًا منها استسلم لإعلام غسَل العقول، حتى صار يرى في المقاومة “إرهابًا”، وفي الاحتلال “حليفًا” أو “شريكًا اقتصاديًا”.
لكن لا شك أن التاريخ سيضع الشعوب – مهما كانت مقهورة – في خانة “التقصير”، لأن الشعوب الحية تستطيع أن تكسر القيد ولو بعد حين. والدليل أن المقاومة نفسها لم تولد من قصور الحكام، بل من الأزقة والمخيمات، من أناس عاديين رفضوا الاستسلام.
الحكام: سيُذكرون كخونة أو متواطئين أو عاجزين، لا فرق.
الشعوب: سيُذكرون كأمة عظيمة خانها قادتها، لكن التاريخ لن يُعفيها من سؤال: لماذا قبلتِ الذل طويلاً؟
وسيكون الدرس الأعمق أن فلسطين لم تسقط فقط بيد العدو، بل سقطت أولًا في قلب الأمة يوم انكسرت الإرادة، ويوم فُصل الدين عن السياسة، ويوم صار الكرسي أثمن من القدس.
غير أن المفارقة التي ستجعل صفحات التاريخ أكثر قسوة، هي المقارنة بما فعله الأوروبيون: ففي عواصم الغرب الداعم للاحتلال خرجت الملايين في مظاهرات عارمة، احتلت الجامعات، وضغطت على الحكومات، وجاهر فنانون وساسة ورياضيون بمواقف كلّفتهم مناصبهم وأموالهم. بينما في عواصم العرب والمسلمين، ساد الخوف والسكوت، ومنع الناس حتى من التظاهر، وارتفع صوت الإعلام الرسمي ليبرر الاحتلال ويشيطن المقاومة.
الوصفة الدقيقة لهذا المشهد يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات:
خيانة الحكام – صمت الشعوب – يقظة الآخرين.
وعند المقارنة، سيكتب التاريخ أن الأوروبي، رغم بعده عن فلسطين دينًا وثقافة، شعر بالعار الإنساني فصرخ “لا”، بينما العربي المسلم – الأقرب دمًا وعقيدة – صمت أو صُمت.
الخلاصة أن فلسطين لم تُغتصب بقوة السلاح وحده، بل سقطت أولًا يوم تواطأ الحكام، وصمتت الشعوب، وغاب الضمير. وستبقى العبارة التي تختم شهادة التاريخ:
“فلسطين كانت مرآةً للأمة: كشفت خيانة الحكام، وخنوع الشعوب، لكنها أيضًا حملت في رحمها بذور مقاومة ستبقى حتى ينهض من يقول لا بحق، لا تُباع ولا تُشترى.”
واليوم، تسجّل غزة صفحة جديدة في الذاكرة الإنسانية: قافلة الحرية القادمة من إسبانيا، إيطاليا، تركيا، وتونس – دون أن يذكر التاريخ الجزائر أو مصر أو الأردن أو الإمارات – تحمل معها معنىً آخر للكرامة. فقد أعلن عمال ميناء جنوة الإيطالي أنهم إن تعرّضت القافلة لأي تهديد أو منع من الاحتلال الصهيوني، فلن تغادر شحنة واحدة من الميناء إلى الكيان، ولن تدخل أي شحنة قادمة منه إلى جنوة. تلك ليست بيانات سياسية ولا خطبًا جوفاء، بل فعل حقيقي يكتب للتاريخ أن الكرامة ممكنة حين ينهض الضمير، ولو من الضفة الأخرى للمتوسط.





















