اذهبوا إلى غزة، لا إلى شاشات الأخبار.
انزلوا بين الركام، تحت الغبار، بين الأجساد التي لم تكتمل، ستجدون وجه إسرائيل الحقيقي — وجه الفاشية العارية من كل زيفٍ إعلاميّ أو قناعٍ دبلوماسيّ.
غزة اليوم ليست مدينة، بل شاهدٌ جماعيّ على موت الإنسانية بأيدي من يدّعونها.
لقد مُسحت ملامح المدن من على وجه الأرض. خان يونس صارت شبحًا، بيوتها رماد، ومدارسها كهوفَ موتٍ، ومستشفياتها مقابرَ حديدية. لم يبقَ حجرٌ على حجر، ولا شجرةٌ ولا ظلّ، وكأن الطبيعة نفسها سُحقت تحت جنازير الدبابات.
أهذه حرب؟!
لا، هذا مسخ الحرب، هذا تطهيرٌ عرقيّ مكتمل الأركان. إبادةٌ تُنفّذ بدمٍ بارد، وبشهادة الأقمار الصناعية وتقارير الأمم المتحدة التي لم تعد تجد مفرداتٍ تصف الجحيم المفتوح.

إسرائيل لم تكن تحارب “حماس”، لأنها تعرف تمامًا أن المقاومة تحت الأرض، وأن القنابل الأمريكية لن تُصيب الأنفاق، بل ستُصيب الأحياء.
فاختارت الطريق الأسهل: أن تقتل المدنيين جميعًا، ثم تقول للعالم إنها “تدافع عن نفسها”!
يا له من دفاعٍ يمرّ فوق جثث الأطفال، ويزرع الموت في أفواه الرضّع الذين يصرخون من الجوع لا من القصف.
إن أكثر من 55 ألف طفل يواجهون الآن الموت جوعًا في غزة، بحسب تقارير الأمم المتحدة واليونيسف.
أطفالٌ بلا لحمٍ على عظامهم، بلا دواءٍ ولا حليب، يحاربون بأجسادٍ صغيرة أكبرَ عمليةِ تجويعٍ منظّمةٍ في التاريخ الحديث.
كل دقيقةٍ تمرّ هناك تُزهق فيها روحٌ بريئة، وكل ساعةٍ تمضي تُدفن فيها أمٌّ وطفلها في قبرٍ واحد، لأن البيت صار رمادًا، والطريق صار فخًّا للنار.
أيّ وحشيةٍ هذه؟!
أيّ دينٍ أو قانونٍ أو عقلٍ يمكن أن يبرّر قصف المستشفيات والمساجد والكنائس والمدارس؟
لم تُبقَ “إسرائيل” بيتَ صلاةٍ على قيد الحياة، كأنها أعلنت حربًا مقدّسة على الله نفسه، وعلى كل ما يرمز إلى الرحمة والحق.
هؤلاء ليسوا بشرًا كما نعرف البشر، ولا حتى وحوشًا كما نعرف الوحوش.
الوحش يقتل ليأكل، وهؤلاء يقتلون ليقتلوا فقط، بلا غايةٍ ولا شبع.
استهداف الصحفيين.. إبادة من نوعٍ آخر
غزة لا تُباد بالسلاح فقط، بل تُباد أيضًا بالرأي، بالحقيقة، بالصوت الحر. إنها إبادة أبناء صاحبة الجلالة، إبادة الكلمة والضمير، إبادة الصحافة التي أرادت أن تكون شاهدًا فصارت شهيدة.
لم تعرف البشرية مجزرة مهنية كهذه منذ اختراع الكلمة المكتوبة.
قُتل 246 صحفيًا في غزة، وهو عددٌ يفوق ما قُتل في الحربين العالميتين الأولى والثانية، رغم أن تلك الحروب اشتعلت على امتداد القارات، أما غزة فلا تتجاوز 369 كيلومترًا مربعًا!
إنها أكبر مجزرةٍ بشريةٍ في تاريخ الصحافة، إبادةٌ للرواة الذين أرادوا أن يقولوا للعالم الحقيقة، فكان جزاؤهم الموت.
إن استهداف الصحفيين في غزة ليس صدفةً ولا خطأً عسكريًا، بل قتلٌ متعمّد للحقيقة، وطمسٌ للرواية الأصلية كي تبقى رواية القاتل وحدها هي السائدة.

لقد فهمت إسرائيل أن الكاميرا أخطر من الصاروخ، وأن الصورة أقوى من القنبلة، فقرّرت أن تُبيد من يحمل الكاميرا كما تُبيد من يحمل الطفولة في حضنه.
في غزة، صار الهواء مشبعًا برائحة الفوسفور الأبيض، والسماء تُـمطر نارًا بدل المطر.
كل حجرٍ هناك يصرخ، وكل نافذةٍ مهدّمة تروي قصةَ عائلةٍ أُبيدت.
حتى البحر — الذي كان متنفسها الأخير — صار سجنًا من نارٍ وحصار.
لا أحد يستطيع الخروج، ولا أحد يدخل، كأن العالم كله قرّر أن يخنق غزة حتى آخر نفس.
والعالم؟
العالم صامتٌ، أصمّ، أعمى.
يتحدث عن “القلق”، عن “المساعدات”، عن “حقّ الدفاع عن النفس”، وكأننا في مسرحيةٍ عبثية تُدار ببرودة السياسيين ودموع المنافقين.
أين الأمم؟ أين العدالة؟ أين الذين ملأوا الدنيا صراخًا عن “حقوق الإنسان” في كل مكانٍ إلا غزة؟ لقد ماتت الضمائر، أو بيعت بثمنٍ بخسٍ من النفط والسلاح.
لكن الله لا ينام، والتاريخ لا يرحم.
من سكت اليوم عن غزة، سيسمع صراخها في عظامه غدًا. ومن برّر إبادة شعبٍ أعزل، سيحاكمه ضميره قبل أن تحاكمه محكمة.
غزة اليوم ليست جرح فلسطين وحدها، بل جرح الكوكب كله. إن لم تنتصر لها الضمائر، فسوف ينتقم الله من البشرية كلها بعدله الذي لا يخطئ.
لقد كُشف وجه الفاشية الإسرائيلية، وسقطت كل الأقنعة. من كان يشكّ أن هذا كيانٌ نازيٌّ جديد، فلينظر إلى صور الأطفال الذين ماتوا وهم جوعى في القرن الحادي والعشرين، تحت رعاية العالم المتحضّر.
إنها ليست حربًا على غزة، بل حربٌ على معنى أن تكون إنسانًا.
غزة لا تموت، بل تفضح.
تفضحنا جميعًا: حكوماتٍ، وشعوبًا، ومثقفين، وصحافةً تصرخ من تحت الركام: “هنا كان يسكن أناسٌ، لم يُولدوا ليكونوا شهداء، بل ليعيشوا كأيّ بشرٍ آخر، ولكن العالم قرّر أن حياتهم لا تستحق الحياة.”





















