يردد كثير من الأصدقاء أنهم جيل بائس، عاش أحداثًا كثيرة ومتلاحقة. فقد انتبه وعينا على صوت صراخ، ونحن أطفال نشاهد التلفزيون الصغير الذي يشتغل ببطارية كبطارية السيارة، في الحوش الفسيح لبيت رفيقي في الكُتّاب؛ فقد قُتل السادات في يوم انتصاره. لم نَعِ وقتها لماذا قُتل، لكن حالة من الحزن انتابت الكبار حزنًا على مقتله.
وتفتح وعينا على موجة من الإرهاب تضرب البلاد بسبب الإسلاميين، وكنا نظن أن جماعة الإخوان ملائكة يمشون على الأرض من فرط الخدمات والمساعدات التي يقدمونها للمحتاجين، وعلاقتهم الوطيدة ببعضهم البعض. حتى انزويت لأحضر معهم، لكن لم يُقبل مني أن أسأل، فقط علينا بالسمع والطاعة، فلم ترُق لي تلك الطريقة، حتى تم طردي إلى غير رجعة.
ذهبت أفتش في المكتبة العامة عن الكتب التي يمنعوننا من قراءتها، ولماذا عبد الناصر في عقولهم شيطان لا بد أن يتم رجمه ليل نهار. فكانت بدايتي في قراءة تاريخ عبد الناصر، وغالبية ما كُتب عنه إيجابًا وسلبًا، وتاريخ الجماعة.
في نقابة المهندسين تابعت الانتفاضة الفلسطينية، وعشت مأساة أن تكون مقيدًا لا تقوى على الحركة والدفاع عن نفسك، لا تستطيع الصراخ ولا البكاء. وتألمنا يوم مقتل الدرة، وانتفضنا على عجزنا ويأسنا.
عشنا أحداث الزلزال، وما زلت أتذكر تلك الأحداث بكل ما فيها من بكاء وحزن وخوف ورعب. خرج الناس إلى الشوارع، وقادتني قدماي إلى المستشفى العام لنساعد المصابين، وتبرعنا بالدم، وكانت أول مرة أتبرع فيها، ولم أستطع أن أتحكم في دموعي المنهمرة من الحالات التي تصل إلى المستشفى.
عشنا احتلال صدام للكويت، وانتظرنا خطاب مبارك ونصيحته الأخيرة لصدام، وما حدث بعدها من تدمير عراق صدام، التي لم يُكتب لها النهوض حتى الآن.
أتذكر مبارك، الذي خرجنا عليه في 25 يناير، كيف بكينا وقت أن تعرض لمحاولة الاغتيال في أديس أبابا، وكيف دارت الأيام وهتفنا ضده وأطحنا بحكمه.
أتذكر قصيدة نزار قباني “متى يعلنون وفاة العرب”، وأنها مُنعت من النشر في كل الدول العربية، حتى نشرتها مجلة روز اليوسف رغم خطر المصادرة، لكنها ظهرت إلى النور.
لقد قرأت القصيدة مرات كثيرة، وما زلت أقرؤها، فهي صالحة في كل زمان، وكأني مثل نزار أتصور شكل الوطن وأراقب حال العرب وهم يرعدون ولا يمطرون، وهم يدخلون الحروب ولا يخرجون.
لقد عشنا الربيع العربي الذي تحول إلى خريف؛ فانكسرت سوريا ووهنت، وتفرقت ليبيا، ولم تعد اليمن سعيدة، وتشتت السودان وتقطعت أربًا، وحاولت تونس الصمود في وجه الانكسار. وما زال العراق يبكي صدام رغم بطشه وجبروته، ووقعت مصر في حجر جماعة أرادتها بلا هوية ولا أرض.
كان خريفًا قاسيًا، ما زالت آثاره باقية على العالم العربي الذي تشتت، وكأنهم يسيرون في صحراء ضلت بهم الطرق، فاستغاثوا بأعجمي لا يتكلم لغتهم ولا يعرف هوياتهم.
لم يتعلم أحد الدرس بعد؛ يجتمعون ولا يتفقون، كأنهم فقدوا التاريخ ولم يحظوا بالتجربة، وكذبوا الواقع، وانساقوا وراء من زيّن لهم طريق الخلاص.
رغم أننا تعلمنا في درس الجغرافيا والتاريخ أن العرب إخوة تجمعهم اللغة والدين والثقافة وكثير من الأشياء، وأن جامعة الدول العربية حاضنة لهم ليقيموا سوقًا عربية مشتركة، ودفاعًا عربيًا يحفظ أمنهم القومي، ويحترمون سيادة دولهم، ولا يتدخلون في الشؤون الداخلية لبعضهم البعض، إنما يجمعهم إطار من المصالح المشتركة ليقوّي بعضهم بعضًا، وكان هذا كذبًا.
في حرب غزة، التي ما زال الكيان يحطم فيها ما بقي قائمًا، لم ينتفضوا، بل أدمنوا الشجب والإدانة. لم ينتفضوا للمسجد الأقصى المغلق لأكثر من شهر، ولم يعرفوا أن عدوهم مزروع بينهم، فذهب بعضهم إلى التطبيع مُرغمًا لحماية عرشه وسلطانه، واخترع بعضهم دينًا إبراهيميًا جديدًا باسم الحداثة.
أما ما حدث في الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران، فهذا حديث يطول.



















