الدراسة الجامعية أوشكت على الانتهاء، وكل الخطوات المستقبلية مؤجلة لحين أداء الخدمة الوطنية.
كانت فكرة الانضمام الي القوات المسلحة لدي البعض هاجس يسبب التوتر لهم، ليس خوفا من أداء الواجب المقدس، لكن بسبب حياة الضبط والربط والالتزام والانضباط التي لم يتعودوا عليها.
بينما كانت الفكرة بالنسبة لي شخصيا ممتعة، تمنيت أن أدخل أحد الكليات العسكرية، ولم يحالفني الحظ، اليوم انضم الي قواتنا المسلحة، لأحقق رغبة تولدت داخلي، وان كانت لفترة تجنيدي القصيرة، لكنها كافية لأعيش تلك الحياة التي تمنيتها.
كان اليوم الأول طويلا جدا، من منطقة التجميع انطلاقا الي مركز التدريب، والتوجه لاستلام المخلة التي تحتوي مهماتنا، ثم التوجه الي العنابر الخاصة بالمبيت، والتعب والرهاق تملك من الجميع، فلم يعد هناك رفاهية الحياة المدنية، في ان تستلقي على السرير لتنام وتستريح لتستيقظ كما يحلو لك.
وبرغم ان صباح يوم جديد بدأت تباشيره تتضح، ولم ننم بعد، كانت صافرة الشاويش وندائه كافيا ليجعلك تنتبه، لتقوم مسرعا وانت في حالة من التخبط، فعلينا ارتداء لباس الرياضة كما امرنا، والاستعداد لطابور الصباح ثم التوجه الي الإفطار.
الحياة غريبة لم نتعود عليها، ان تستيقظ في مثل هذا الوقت، أو ان تمارس رياضه لم تتعود عليها، فوتيرة اليوم تسير بسرعه، فعليك بعد الإفطار ان تتوجه سريعا الي ارتداء الافرول، والتوجه الي ارض الطابور، للتعليم والتدريب والتوجيه.
كانت لحظة سعادة كبيرة عندما ارتديت الأفرول لأول مرة، و نفسي تحدثني آن ما ينقص هذا اللباس الانيق الرتبة العسكرية التي يتزين بها كتفي كل ضابط كما كنت اتمني.
أحسست بالقوة تسري في جسدي والفخر معا، تمشيت وكأنني أتباهي، أريد أن يراني الجميع بهذا التأنق، كنت أحيي العلم رافعا هامتي الي عنان السماء، أحمل سلاحي وكأنني مستعد طوال الوقت للذهاب الي الجبهة، أقف في خدمتي بعد ترحيلي الي الكتيبة بكل التزام وانضباط.
حبي للحياة العسكرية جعلني تأقلمت سريعا، ولتعودي علي النظام واحترام مواعيد التجمعات والتدريبات جعل مني قائد دائم علي المجموعات سواء في مركز التدريب، وبعد الترحيل، فكانت ترقيتي لعريف مجند مبكرة.
دائما ما نقول لبعضنا البعض ان تلك الأيام محفورة بالذاكرة ولا تنسي مهما طال العمر، نتذكرها دائما بكل تفاصيلها.
كانت النقلة المهمة بعد أيام قليلة من التواجد في مقر الوحدة الذهاب الي مواقع القتال والتدريب في الصحراء، كانت انعكاساتها الإيجابية كبيرة برغم قسوتها في كل شيء، من مأكل ومشرب وأوقات طويلة في التدريبات، وسهر وقلة عدد ساعات النوم، وكأننا نستعد للدخول الي معركة وشيكة، كنت أكتب يومياتي كلما سنحت الفرصة، وكان قلبي مطمئن حقا اننا لدينا درع وسيف، فقد تحول الجميع الي التفاني الكامل في التدريبات، وتعودوا علي تلك الحياة الخشنة القاسية، فلا قدر الله لو حدث مكروه ستجد ملايين المصريين جاهزين لتنفيذ أي مهام، الجميع مستعد للتضحية حقا.
مازال اول يوم في الاصطفاف محفور بالذاكرة، يقينا نحن ذاهبون الي الحرب، الجميع مشدود لعده أيام سابقة من الاصطفاف، ثم يأتي التفتيش ويطلب مني مع أحد ضباط المربض ان نقوم بتقديم تقرير عن حالة الجو وانحراف الرياح، وفي الاثناء يتم الإعلان عن نوبة غاز. فنظرت الي الضابط ان يلبس القناع فلم يفعل وفعلت مثله، فتعرضنا للوم وصوت يصرخ في قائد الكتيبة لديك ضابط ومجند قتلوا قبل دخولكم المعركة من اهمالكم ولم يرتدوا القناع، وتعرضنا للتوبيخ الشديد وخصوصا الضابط.
وذهبنا الي طابور السير بعدها لنرتدي القناع لمده ثلاثة كلم من العشرين مسافة الطابور، والجميع مراقب بكل جدية، انها جدية وإخلاص وتفاني القوات المسلحة في بناء جندي حقيقي يعي بكل أشكال التدريب سواء فنية او لياقة بدنية ليتحمل كل الضغوط التي ستواجه.
عندما دخلنا الي ساحة القتال ينبغي ان تقوم بحفر حفرة برميلية، واحيانا أثناء الحفر يطلب منا التقدم والاخلاء، واحتلال نقطة أخري لنقوم بعمل حفرة جديدة لحمايتنا من أي غدر للعدو، ولم نتحايل ونقوم كل مرة بالحفر.
من الحكايات الطريفة اننا كنت يوم فرد دفاع محلي خلف الكتيبة، ولابد من التحرك مع كل إخلاء، ومن شدة التعب في أحد المرات طالت نوعا ما فترة احتلال النقطة التي نحن بها، ونمت من شدة التعب وتحركت الكتيبة الي نقطة جديدة، وعندما انتبهت كنت وحدي في الصحراء، وانتظرت في موقعي حتي عادوا لي وما حدث بعدها من توبيخ ولوم كان قاسيا.
كنت دائما ادعو بالتوفيق والثبات لكل من كانت تلك حياته ومهمته الأساسية من الضباط والمتطوعين، فالمجند في نهاية المطاف سيؤدي هذا الفرض الواجب وسيخرج لبناء مستقبلة، ومساعدة البلد في جوانب أخري طبقا لتكليفه، لكن من ستكون تلك هي حياتهم، في الصحراء والتدريبات المكثفة، والسهر والتركيز في التدريبات للوصول الي الأهداف المحددة، هم حقا أبطال وعيون ساهرة، يجعلوننا نشعر بالأمن والأمان ان لدينا درع وسيف يحمي الوطن.
وبرغم الجدية في العسكرية، لكن في فترات الراحة كانت لا تخلوا من بعض المقالب والفكاهة، وعاده تنقلب تلك المقالب الي كوارث لمخالفة حالة الضبط والالتزام والجدية، و يكون العقاب طوابير ذنب، او دخول السجن للتأديب لمخالفة التعليمات.
أتذكر في بداية الوصول الي الوحدة ان يبحث كل مجند عن أحد المجندين القدامي المنتمين الي محافظته، ليكون بلدياته كما كنا نقول (بيلدي)، كنت اتعجب من هذا التقليد، والذي عادة ما يذوب لتكون هويتنا وانتمائنا هو مصر.
ستظل تلك الفترة بكل تفاصيلها حتى الدقيقة منها من أمتع فترات حياتي وأهما علي الاطلاق، لما تعلمنا فيها من مسؤولية، انضباط، والتزام، وإخلاص، ووطنية حقيقية نابعه من حب الوطن، وتفاني وتضحية، واحترام لكل فرد من قواتنا المسلحة لما يقومون به حمايه مقدراتنا وحدودنا.
ودعوني أصرخ بكل قوتي عندما سألت في اصطفافنا بعد اجابتي الطويلة لمدير السلاح: تمام يا فندم ونحن جاهزون لتنفيذ أي مهام.
ومازلنا جاهزون لتنفيذ أي مهمة نكلف، بها فشرف الانضمام للقوات المسلحة لا يعادله شرف.
حفظ الله وطننا، وجيشنا، وشرطتنا، وشعبنا المخلص لوطنه.



















