كانت تلك أول زيارة لي إلى مدينة أسوان. تأخرت كثيرًا وتمنّيتها أكثر؛ أن أتجوّل في مدينة الذهب صاحبة الأصالة والعبق التاريخي، أشاهد معالمها وأعيش تاريخها. تخيّلت أنني أسير على خطى الأجداد، أتأمل سماءها وأرضها، وألامس تاريخها كما أحببته وكما تعايشت معه. لم أنم ليلتي شغفًا بالعيش في قلب مدينة الحضارة والتاريخ؛ المدينة التي يتردّد عليها العالم ليشاهد الإرث الحضاري والتاريخي العظيم لمصرنا الغالية.
سأقف أمام السد العالي لأرسل رسالة إلى الأجداد القابعين تحت رماد مدينة الذهب، وإلى شواهد آثارها التي تناطح السحاب وتتحدى الزمن، بإنجاز صنعه الأحفاد كأحد أهم إنجازات مصر في العصر الحديث.
وبالقرب من السد العالي يقع خزان أسوان، وأطلقتُ ناظري لأحتوي بعيني بحيرة ناصر حتى تصل إلى مفيض توشكى، وأرى تلك الصحراء الصفراء الفاقع لونها تتحول إلى جزيرة من النباتات، لتكون واحة خضراء.
نعلم جيدًا أهمية السياحة للناتج القومي، وأنها مصدر مهم للعملة الصعبة، وأن مصر تمتلك من المقومات ما يجعلها تتربع على عرش السياحة وتكون المقصد الأول في العالم. فكل أنواع السياحة ستجدها في ربوع مصر: ثقافية، وترفيهية، وعلاجية، ودينية، وسياحة المؤتمرات والمهرجانات والسفاري. لا يوجد منتج سياحي عالمي إلا وكانت مصر صاحبة ريادة فيه.
فلماذا لم نستطع حتى الآن استغلال كل تلك الهبات الربانية والمقومات التي لدينا؟
في الطريق، كنت سعيدًا إلى أقصى درجة، فغدًا سأرى معبد إدفو وأبو سمبل، وسأزور متحف النوبة ومتحف أسوان، وأستقل المركب في النيل إلى معبد وجزيرة فيلة وجزيرة النباتات وجزيرة الفنتين، وأذهب إلى محمية سالوجا وغزال والمقابر الفاطمية. سأطوف بكل أركانها، أحيي أجدادي، وأرى معالم النوبة بكل ثقافتها وتاريخها وشعبها وتراثها.
لكن كانت صدمتي كبيرة عندما وصلت إلى مطار أسوان، الذي لا يليق بتاريخها وأهميتها وزائريها من كل دول العالم؛ تأمّلته كتمثال بلا روح ولا هوية.
تماسكتُ، فمدينة بهذا الحجم وبهذا التراث الإنساني لا بد أن تكون كمتحف كبير مفتوح، غاية في الأناقة والجمال. لكن جاءت الصدمة الثانية: الطريق من المطار إلى الفندق القابع بجوار السوق السياحي على الكورنيش كان سيئًا إلى درجة كبيرة، وأعمال الرصف مستمرة منذ مدة طويلة، والأهالي يشتكون مع اقتراب الموسم السياحي الشتوي.
كما شكا أحد السائقين العاملين مع الأفواج السياحية من غلق طريق الأقصر–أسوان الصحراوي الجديد، وتركهم في الطريق القديم بحارة واحدة ذهابًا وإيابًا وهو في غاية السوء، مؤكدًا أن الطريق الجديد كان سيسهم في زيادة الوفود القادمة من مرسى علم والأقصر وغيرها، فضلًا عن عامل الأمان لاتساعه.
وفي الطريق إلى كوم أمبو بدأت في سؤال الأهالي عن أحوالهم. وكان الطريق من أسوان إلى إدفو أسوأ بمراحل؛ مداخل القرى كأنها من القرون الوسطى، ومشكلات الصرف الصحي في كل المحافظة، وانقطاع المياه، وتراكم القمامة في الطرقات، وكأنها محافظة مهجورة لا يقطنها أحد.
ومن أبرز المشكلات — كما عرضها الأهالي — المنقبون عن الذهب خارج إطار القانون، وتعدياتهم على المواطنين، والبلطجة التي يمارسونها. وأكدوا ضرورة تقنين أوضاعهم أو ردعهم، إلى جانب انتشار المخدرات بشكل كبير، وسوء الرعاية الصحية والمجتمعية، وضعف وصول مياه الري إلى المناطق الزراعية.
كما أن السوق السياحي لا يليق بمدينة بحجم أسوان، ويجب الإسراع في تطويره وتأمينه.
على السيد محافظ أسوان، والسيد وزير السياحة، والسيدة وزيرة التنمية المحلية، وكل مسؤول في هذا الوطن، أن يعلم جيدًا أن من يمتلك مدينة مثل أسوان يجب أن يجعل منها عروسًا لا تتخلّى عن زينتها أبدًا؛ يهتم بها ويرعاها كطفلة صغيرة يهدّئها لترضى عنه. لا يليق أن تكون مدينة العالم كله يتشوق لزيارتها ومشاهدة آثارها بتلك الحالة من التردي.
عليهم الإسراع في حل مشكلات الطرق والبنية التحتية دون استثناء، كي تلبس مدينة الذهب لباس الوقار، ويرى ضيوفنا ما يسعد أعينهم ويفرح قلوبهم، ولنترك رسالة بأن الأحفاد قد صانوا إرث الأجداد.





















