شهدت الثورة الرقمية في العالم تحولًا جديدًا وسريعًا في رؤية الإنسان وإدراكه للأمور، فلم يعد العالم الذي يُتجه إليه حيزًا فيزيقيًا يمتلئ بالأشخاص على اختلف أعمارهم وصلاتهم، بل صار حيزًا إلكتروني آليًا يمتلئ بحسابات يمكن أن يتستر الناس خلفها، أو يفضون بأسرارهم إن شاؤا، فهل حسن استخدامنا لهذا التطور الرقمي المتمثل في التجليات والتسهيلات التي قدمها الإنترنت في مختلف المجالات، الإعلامية والسياسية والتعليمية، بل ومختلف الخدمات الحياتية؟
الحقيقة أن التطور الرقمي أو التوجه الرقمي، يعد في ذاته أو بطريقة غير مباشرة توجهًا سياسيًا صريحًا للدولة المنشأة أو المسيطرة على هذا التطبيق، أو على الأقل تستلهم من قيم الدولة التي تنطلق منها هذه المنصات، فمثلًا لماذا تسبب الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، قلقًا بالغًا لأمريكا، بسبب أن هذه الدول قد استقلت بمنصات رقمية خاصة بها، حتى لا تتمكن الولايات المتحدة من التوغل داخل هذه الشعوب وتخلق الفوضى أو تلقي بأجندتها التخريبية، كما يحدث في عالمنا العربي.
فالتيك توك مثلًا في الصين، وهي منصة صينية المنشأ، تضع برنامجًا خاصًا للأطفال دون الكبار، وتضبُطُ سياسات مواقعها الأخرى على ما يتفق وتوجه الدولة، أعلم أن بعضكم سيتسأل وأين الحرية في ذلك؟ الحقيقة لم أقدم هذه الكلمات للدفاع عن الصين أو الرد عليها، ولكن علينا أن نعي أننا لسنا أمما تطبيقات تسبب الرفهية، بل هي سلاح لوجستي تستعمله الدول، لهذا حينما ينشئ صيني أو روسي حسابًا على الفيس بوك أو يوتيوب أو أي منصة أمريكية، يكتب «جهة خاضعة لسيطرة …»، أعود فأقول إن هذه الدول تسعى لخلق روابط بين الناس عن طريق هذه التكنولوجيا، لا أن تحولهم إلى خوارزميات وحسابات، لا وجود لها إلا على الشبكة العنكبوتية فقط.
أما في بلادنا فأظن ويمكن أن يكون ظني خطأ، أن وسائل التواصل الاجتماعي، كانت من الأدوات المباشرة التي ساعدت في صنع الفوضى الخلقة، ولا أعني هنا بمفهوم «كوندا ليزا رايز»، ولكن بمفهوم أشد اجتماعية، فالأصوات الرجعية والظلامية، ارتفعت أكثر وأكثر، في ظل إيجادها منصة تنطلق منها إلى عامة الناس، بلا قيد أو شرط، وبشكل مجاني، فصارت هواتفنا هي من تشكل الرأي العام حاليًا، بل وتزرع أحيانًا بوادر الخلاف والاختلاف، فبدلًا من توظيف هذه التكنولوجيا في خدمة المواطن، استعملت استعمالًا رديئًا أخرج لنا أجيالًا اكتسبت وعيها، من مرتزقة وسائل التواصل الاجتماعي، الذي أخذوا في تشويه الوعي الجمعي للمصريين.
نحن الآن في زمن الإنسان الرقمي، أي الأنسان الذي لا يعمل أو يباشر عمله إلا عن طريق الوتس أو الفيس أو أي موقع إلكتروني، بل ويتعامل مع الأشخاص من وراء حساب على الفيس أو الوتس أي بصفته حساب إلكترونيًا، إذًا فهو إنسان شبه مجهول، إنسان جديد علينا، يسهل خداعه وتشكيله من جديد، ولأن هذه الثقافة جديدة علينا، وفي ذات الوقت لا تدركها شريحة ضحمة من مجتمعنا، فيمكن لجهات خارجية وداخلية، أن تسوق أكبر عدد من القطيع إلى حيث تريد، وهذا ما يفعله فئتين من وجهة نظري الشخصية، بعض صناع المحتوى الرقمي الاستهلاكي، ورجال الدين أصحاب النزعة الفاشية، كلاهما وجهان لعملة واحدة، وإن كنت أرى الثانية أخطر، لأنها تتماهى مع الرجعية المجتمعية المتمثلة في العادات والتقاليد، والسرديات الشعبية الأقرب إلى الخرافات والأساطير.
لا أنكر أننا الآن في بلدنا على الأقل، بدأنا في استخدام مهني وعلمي للتكنولوجيا الرقمية التي بين أيدينا، خاصة بعد جائحة كورونا 2020، والتي أكدت أهمية التواصل الرقمي في ظل الأزمات البيئة بل والاقتصادية أحيانًًا، ولكن مجيؤنا كان متأخرًا، وهذا التأخر ليس هو المشكلة، بل أساس المشكلة يكمن أن التصورات سالفة الذكر، مازالت موجودة، ولم تُحل بعد أو تُطرق حتى، ولن تُأتى ثمارُ هذا التطور، إلا حينما تتبنى الدولة المصرية السياسية الوطنية الرقيمة، التي تهدف من وجة نظري، لخلق تطبيقات وطنية بديلة عن الفيسبوك والوتس آب وإكس وغيرها، والتي تمثل في رائي وجودًا غربيًا وتدخلًا خارجيًا، بالإضافة إلى رقمنة التعليم، ورقمنة العمل بما يحافظ على الوجود الحي والمباشر لبيئة العمل الرسمية أو الواقعية، ورقمنة الصحة، ورقمنة الخدمات العامة، وهذا ما تقوم به الدولة منذ فترة ليست بالقليلة، ولكننا في حاجة إلى مجهود ووعي أكبر، ويجب أن تتكاتف الوزارات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل ترسيخ هذه الثقافة الجديدة، التي ربما تصلح ما أفسده تهور الماضي.
في النهاية نحن نملك فرصة آخيرة لعبور هذه البحار المشحونة بالمخاطر، وعلينا جميعًا أن نتكاتف لإنقذ الوعي الذي يتلاشى أمام أعيننا، ونحن صامتون ننتظر حلول الكارثة.





















