أكد المحامي طارق العوضي، أن الترحيب بفتح ملف شكاوى المواطنين ضد الشركات والمطورين العقاريين وتشكيل لجان لتفقد المشروعات ومراجعة مدى الالتزام بالتعاقدات ومواعيد التسليم، لا ينبغي أن يحجب حقيقة جوهرية، وهي أن تحرك الإدارة بأدوات الفحص والتفتيش وحدها، دون سند تشريعي يحدد طبيعتها القانونية، قد ينتج «ظلاً» لسلطة دون أن تكون لها سلطة حقيقية.
وقال العوضي، في منشور له، إن اللجان، مهما علت مكانة أعضائها وحسنت نواياهم، لا تنشئ لنفسها اختصاصًا ولا تستمد صلاحياتها من مجرد «التوجيه» أو «التكليف»، وإنما يجب أن تستند إلى أداة قانونية تحدد طبيعة اختصاصها بدقة، متسائلًا: «هل هي جهة تحقيق إداري بالمعنى الفني؟ أم هيئة معاينة فنية تجمع الوقائع وتحيلها؟ أم جهة ذات اختصاص شبه قضائي تملك توقيع جزاء؟».
وأضاف أن الفارق بين هذه الصور ليس شكليًا، وإنما يمثل الفارق بين لجنة تنتج تقريرًا قد ينتهي به الأمر إلى الحفظ، وأخرى تنتج قرارًا إداريًا نافذًا يخضع لرقابة القضاء الإداري.
وأشار المحامي طارق العوضي إلى أن الأخطر من غموض الاختصاص هو غياب معيار «الإلزام»، موضحًا أن الفحص الذي لا تترتب على نتائجه آثار قانونية مباشرة، سواء بالإحالة إلى النيابة العامة في وقائع الاحتيال أو التبديد، أو إخطار جهاز حماية المستهلك بالمخالفات التعاقدية، أو تحريك دعاوى المسؤولية العقدية أو التقصيرية أمام القضاء المختص، أو اتخاذ إجراءات تتعلق بسحب التراخيص أو إيقاف تسويق المشروع المخالف، قد يتحول إلى مجرد إجراء شكلي.
وتابع: «هذا الفحص يمنح الشركة المخالفة فرصة ثمينة للتعامل مع اللجنة بوصفها علاقات عامة لا مساءلة، فتقدم تعهدات شكلية وتبقي جوهر المخالفة كما هو، بينما يكون المواطن المتضرر قد استنفد أمله في أداة رقابية ظن أنها ستنصفه».
وشدد العوضي على أن حماية حقوق المواطنين في نظام يحترم حكم القانون لا تتحقق بمنطق «الوصاية الإدارية»، وإنما بمنطق «الحق القابل للتقاضي»، مؤكدًا أن المواطن الذي أبرم عقدًا مع مطور عقاري يملك حقًا أصيلًا في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتنفيذ العيني أو الفسخ مع التعويض، فضلًا عن اللجوء إلى القضاء المستعجل في حالات التأخير الجسيم في التسليم.
ولفت إلى أنه إذا كانت اللجنة ستحل محل هذا الحق أو تصادر عليه، أو تؤدي إلى إطالة أمد التقاضي انتظارًا لنتائج الفحص، فإنها قد تضعف الحماية القضائية بدلًا من دعمها.
وأوضح أن الدور الصحيح للجنة يجب أن يكون تمهيديًا ومساندًا للقضاء، من خلال جمع الأدلة الفنية وتوثيق المخالفات في محاضر رسمية ذات حجية إثباتية، قائلًا: «يجب أن تكون أداة تمهد الطريق للتقاضي وتيسره، فتؤدي دور المُعين لا البديل».
وأكد العوضي أن هذا البناء القانوني لا يكتمل دون ضمانتين أساسيتين، أولهما استقلال اللجنة عن أي جهة قد تكون طرفًا مصلحيًا في نتائج الفحص، بما يمنع تضارب المصالح أو شبهة الانحياز في تشكيلها.
وأضاف أن الضمانة الثانية، والأهم، تتمثل في كفالة حق المتضرر من قرارات اللجنة أو من تقاعسها في التظلم والطعن أمام جهة قضائية مستقلة، وليس فقط أمام جهة إدارية أعلى تتبع المنظومة ذاتها.
وأكد أن السؤال الحقيقي لا يتمثل فقط في «من الذي سيفحص؟»، وإنما في «ماذا يحدث بعد الفحص؟»، متسائلًا عما إذا كانت نتائج أعمال اللجان ستتحول إلى مسؤولية قانونية فعلية تُساءل عنها الشركات المخالفة أمام القضاء والنيابة العامة، أم ستظل حبيسة تقارير لا تتجاوز قيمتها الأدبية قيمتها القانونية.
واختتم حديثه مشددا على أن الإصلاح الحقيقي للسوق العقارية لا يبدأ بتشكيل لجنة فقط، وإنما ينتهي بمنظومة تشريعية متكاملة تحدد الاختصاص، وتُلزم بالتنفيذ، وتفتح باب التقاضي، وتصون حق المواطن في أن يُنصف لا أن يُستمع إليه فحسب.





















