كتبت: إيمان صبري
في ساعات يوم الاثنين 7 يوليو، اندلع حريق كبير في قلب القاهرة، وتحديدًا في سنترال رمسيس، أحد أقدم وأكبر السنترالات في مصر، ومع تصاعد الدخان وامتداد الحريق في المبنى الحيوي، لم تكن النيران وحدها هي ما أثار الذعر، بل كانت صدمة انقطاع الإنترنت والاتصالات عن ملايين المصريين، ما كشف بوضوح عن مدى هشاشة البنية الرقمية في البلاد.
انقطاع مفاجئ وتوقف رقمي
فور اندلاع الحريق، انقطعت خدمات الإنترنت والهاتف الأرضي والمحمول عن عدد كبير من المناطق الحيوية في القاهرة الكبرى، شملت: وسط البلد، والعباسية، وشبرا، ومدينة نصر، وأجزاء من الجيزة، وتوقفت خدمات الدفع الإلكتروني، وتأثرت الشركات، وعلق المواطنون في طوابير طويلة أمام ماكينات الصراف الآلي غير العاملة، فيما شلّت بعض القطاعات الحيوية مثل المستشفيات والبنوك ومحطات المترو.
وبحسب وزارة الصحة، أسفر الحريق عن وفاة 4 أشخاص وإصابة آخرين بحالات اختناق وحروق متفاوتة، بينما لا تزال التحقيقات جارية لمعرفة السبب الرئيسي، وسط حديث عن ماس كهربائي طال الكابلات الرئيسية، ومن حيث الخسائر المادية، تشير تقديرات أولية إلى تدمير كامل للبنية التحتية الداخلية للسنترال، بما يشمل محولات رئيسية وغرف السيرفرات، إضافة إلى توقف العمل بمركز التحكم الرئيسي المرتبط به.
ردود أفعال غاضبة: أين وزير الاتصالات؟
الغياب اللافت لوزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الدكتور عمرو طلعت خلال الساعات الأولى للأزمة، أثار استياء واسعًا، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات تهاجم «الصمت الرسمي»، وتطالب بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين، وتفقد الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فجر اليوم، مبنى سنترال رمسيس بوسط القاهرة، لمتابعة تداعيات الحريق، ووجه بسرعة تعويض المتضررين واستعادة الخدمات خلال 24 ساعة.
ولكن تعليقات الناس على مواقع التواصل لم تكن في صف الوزارة، حيث علق أحد المستخدمين على «فيسبوك»: «مفيش دولة في العالم يحصل فيها حريق يقطع الإنترنت عن العاصمة كلها! فين خط الطوارئ؟ فين الوزير؟»
وكتب آخر: «معقول سنترال واحد يتحرق يعطل دولة؟ لو كان ده في بلد تانية الوزير كان استقال».
خسائر المواطنين والشركات
لم يكن الضرر مقتصرًا على البنية التحتية، بل امتد إلى المواطنين، وشركات أونلاين أعلنت عن توقف خدماتها مؤقتًا، وأبلغت عملاءها بتأخر الشحنات والمعاملات، ومستشفيات خاصة تضررت لعدم قدرة طواقمها على استخدام أنظمة الملفات الرقمية أو التواصل مع الطوارئ، أصحاب محال تجارية اشتكوا من توقف أجهزة الدفع الإلكتروني، ما أدى إلى خسائر مالية في يوم العمل، طلاب وموظفون واجهوا صعوبة في تأدية الامتحانات والمهام عن بُعد.
وقال العديد من المواطنين إنهم لم يتمكنوا من دفع فواتير الكهرباء أو المياه أو القيام بتحويلات مالية عبر التطبيقات البنكية أو المحافظ الإلكترونية، مما تسبب في تراكم الغرامات أو تعطّل خدماتهم، وتوقفت بعض ماكينات الصراف الآلي «ATM» بشكل مفاجئ، ما دفع عملاء إلى التجمع في طوابير طويلة أمام البنوك في مناطق مثل رمسيس، والعباسية، وحدائق القبة.
وأصحاب متاجر ومطاعم صغيرة أبلغوا عن توقف كلي في خدمات الدفع عبر الكروت البنكية أو «QR code»، مما تسبب في عزوف العملاء وخسائر في المبيعات، وقال أحد التجار: «خسرت في أقل من 3 ساعات مبيعات يوم كامل، لأن الناس مبقتش عايزة تتعامل بالكاش ومكن الدفع وقف فجأة».
والطلبة الذين يعتمدون على المنصات الإلكترونية للمذاكرة أو أداء الامتحانات، فشلوا في الدخول، في حين تعطلت اجتماعات وورش عمل كانت مقررة عن بُعد، ما أثّر على سير العمل في شركات تعتمد بشكل كامل على الإنترنت.
أما تعليقات الناس على السوشيال ميديا كانت في قمه السخرية وعبروا عن ذالك وقالوا: «مصر كلها طلعت شغالة على فيشة واحدة».
هل سنترالات مصر الأخرى آمنة؟
حريق رمسيس يطرح تساؤلًا خطيرًا من جميع المواطنين: «هل باقي السنترالات الكبرى في مصر، مثل سنترال الدقي، والعتبة، والمعادي، مهيأة للتعامل مع أزمات مماثلة؟»
وتُشير تقارير هندسية سابقة إلى أن أغلب السنترالات القديمة تعتمد على أنظمة تهوية وكابلات قديمة، دون تحديث حقيقي منذ عقود، ويزداد القلق مع غياب خطة قومية واضحة لحماية البنية التحتية الرقمية من الحرائق أو الهجمات الإلكترونية، وإذا كان الإنترنت اليوم أصبح شريان الحياة، فإن حمايته يجب أن تكون من أولويات الدولة، ليس فقط من أجل راحة المواطنين، بل من أجل الأمن القومي ذاته.





















