حين يتوقف دوي المدفعية وتطوي صفحات التاريخ أوراق المعارك العسكرية الكبرى يتخيل البعض أن الصراع قد بلغ خط النهاية. غير أن الحقيقة التي تخفيها زحمة الاحتفالات وأضواء المناسبات هي أن المعارك الحقيقية لا تموت أبدا بل تغير جبهاتها وتتبدل أسلحتها وتنتقل من خنادق الرمال وميادين القتال المباشر إلى عقول الناس ووجدانهم.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية مظفرة انتهت باستعادة شريط من الأرض الغالية بل كانت لحظة فارقة استعادت فيها الأمة المصرية توازنها وأثبتت بالدم واليقين أن الهزيمة لم تكن سوى عارض طارئ أمام إرادة شعوب لا تعرف الانكسار. لكننا اليوم وبعد أكثر من خمسة عقود كاملة نقف أمام مرآة الواقع لنطرح السؤال الأكثر إلحاحا وصدمة هل نجحنا حقا في تحويل النصر الذي صنعه الآباء بدمائهم إلى وعي حي يحمي عقول الأبناء؟ هذا السؤال ليس ضربا من جلد الذات ولا هو محاولة عبثية للتقليل من عظمة الإنجاز التاريخي لأكتوبر. على العكس تماما إنه محاولة واعية لفهم المعنى الأعمق للنصر والبحث عما ينبغي أن يبقى منه حيا في حياة أجيال لم تعش أيام الحرب ولم تر بأعينها كيف استعاد الجندي المصري ثقته المطلقة بنفسه وبوطنه. إنهم جيل آخر يعيش في عالم يختلف تمامًا عن عالم الآباء عالم تتقاطع فيه شاشات الهواتف الذكية مع طوفان رقمي جارف من المعلومات وتتصارع فيه الروايات وتتزاحم الحقائق مع الأكاذيب في أجزاء من الثانية. في حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة عاد ملف الوعي والذاكرة الوطنية ليتصدر واجهة المشهد، وهو طرح يلامس جرحًا حقيقيًا في بنيتنا الثقافية. فحماية ذاكرة الأمة لم تعد تقف عند حدود ما تحفظه الكتب المدرسية الصماء بل أصبحت معركة يومية تخاض ضد التسطيح والتضليل المتعمد وسرعة تداول المعلومات الناقصة التي تفقد الأحداث سياقها التاريخي والوطني.
نحن نعيش اليوم زمنا رقميا عجيبا زمن يستطيع فيه مقطع فيديو مجتزأ أن يشوه تاريخا كاملا وتستطيع فيه شائعة متكررة أن تلعب برأس جيل كامل حتى يظنها حقيقة مُنزلة. وفي خضم هذا الصخب لم يعد كافيا أن نطالب أبناءنا بحفظ التواريخ وأسماء الأبطال؛ بل أصبح لزاما علينا أن نمنحهم الأدوات الحقيقية للتفكير النقدي والتمحيص. المواطن الواعي الذي نريد.والشاب القادر على حماية وطنه ليس هو من يردد الشعارات كالببغاوات.بل من يملك القدرة على السؤال، والفهم، والتمييز بين الحقيقة المطلقة والدعاية الرخيصة. إن أحد أخطر المزاعم التي قد نقع في فخها هو الاعتقاد بأن تكرار ذكرى أكتوبر سنويا يكفي وحده لصناعة الانتماء. التاريخ لا ينتقل إلى العقول بالتلقين بل بالفهم العميق للظروف القاسية التي سبقت العبور، وبالقدرة على شرح كيف تحولت الإزاحة المستمرة للهزيمة إلى خطط علمية محكمة وإرادة حديدية لا تلين. الشاب الذي يجرؤ على أن يسأل عن كواليس تلك الأيام وعن تفاصيل التضحيات وصعابها لا يشكك في النصر بل يمنحه فرصة جديدة للانبثاق داخل عقله ووجدانه بوعي حقيقي لا بإنشاء عاطفي عابر. ولأن بناء الوعي عملية معقدة فهو ليس مسؤولية المدرسة وحدها ولا يقع وزره على عاتق الإعلام أو الأسرة بمفردهما. إنها شبكة متكاملة من المسؤولية المشتركة تبدأ من البيت حيث يتشرب الأبناء قدوة الكبار وسلوكهم الحقيقي قبل كلماتهم وتمتد إلى مؤسسات التعليم التي يجب أن تفطم العقول عن التلقين الأصم وصولا إلى الإعلام الذي لا ينبغي أن يكتفي بالاحتفال بل عليه أن يخاطب عقول الناس بلغة حقيقية وأن يفرز بدقة بين المعلومة الرصينة والتضليل العابر. ثم إن الوعي الوطني لا يمكن أن يعيش بمعزل عن واقع الناس اليومي. الشاب الذي يترقب فرصة عمل والموظف الذي يقف في وجه العبث الإداري والأسرة التي تواجه أعباء الحياة المعاصرة جميعهم يشكلون نسيج هذا الوطن. وكلما شعر الإنسان بأن كرامته مصانة وأن صوته مسموع وأن مشكلاته تجد طريقا جادا نحو الحل والعدالة كلما ترسخت جذور انتمائه ومحبيته لبلده. فالثقة الحقيقية والمستدامة لا تبنى بالخطب الحماسية بل تتأصل يوم يلمس المواطن أثر المسؤولية والجهد الحقيقي في تفاصيل حياته. لقد أثبتت ملحمة أكتوبر أن الإرادة المصرية قادرة على كسر المستحيل حين تتوفر الرؤية ويلتحم الشعب مع جيشه في صف واحد. واليوم فإن معركة الوعي تتطلب منا القدر ذاته من الصبر والجلد والتخطيط.
انتهت معركة الأرض بالسلاح والدماء وظلت دروسها خالدة وشاهدة على عظمة هذا الشعب. أما معركة الوعي فهي المعركة المستمرة التي لا تنتهي بقرار ولا تختصرها مناسبة إنها واجب وطني يتجدد كل صباح بقدر ما نحسن رواية الحكاية ونحمي الحقيقة ونمنح عقول الأجيال الجديدة القدرة الفذة على الفهم والاختيار. فإذا كانت معركة الأمس قد استعادت لنا الأرض والكرامة فإن معركة اليوم وقبل الغد يجب أن تثبت أن وعينا الحاد واليقظ قادر على حماية المستقبل وصيانة ما ضحى من أجله الأبطال.






















