لم يكن أحد يتوقع أن تحقيقًا صحفيًا لا يتجاوز 150 كلمة، نشرته صحيفة “فيتو” يوم 19 أغسطس 2025، سيكون كفيلًا بإثارة عاصفة داخل وزارة النقل. التحقيق الذي حمل عنوان “التدرج يحول القيادات السابقة إلى مناصب شرفية” فتح بابًا واسعًا للجدل حول جدوى وجود عشرات المستشارين الذين يكلِّفون الدولة ملايين الجنيهات دون صلاحيات حقيقية، واصفًا إياهم بـ”حكومة ظل” تستنزف موارد الوزارة بدلًا من ضخ دماء جديدة.
ورغم صِغر حجم التحقيق، إلا أن أصداءه تجاوزت صفحات الجريدة لتصل إلى الوزير كامل الوزير نفسه، الذي بادر بتقديم شكوى رسمية إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد الصحيفة، وسط تضارب بشأن ما إذا كانت الوزارة قد تقدمت أيضًا ببلاغ إلى النائب العام قبل أن تتراجع عن ذلك.
التحرك الوزاري أثار تساؤلات إضافية، خاصة أنه جاء بعد اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مسؤولي الإعلام، حيث شدد على أن حرية التعبير مكفولة ما دامت منضبطة بالمهنية. وهو ما جعل كثيرين يرون أن الأولى بالوزارة كان الاكتفاء بالرد الموضوعي بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة مع الصحافة.
اقرأ أيضًا: وزارة النقل: هدفنا كشف الحقائق أمام الرأي العام.. لا تقييد حرية الصحافة
في خضم الأزمة، أعلنت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين تضامنها الكامل مع “فيتو”، مؤكدة أن التحقيق المنشور يندرج في إطار الدور الرقابي للصحافة.
وقالت اللجنة في بيانها إن “عقوبة الخبر الكاذب هي تصحيحه، لا ملاحقة الصحفيين قضائيًا”، داعية إلى اعتماد قانون حرية تداول المعلومات باعتباره الحل الأمثل لضمان الشفافية.
ولامتصاص حدة الجدل، أصدرت وزارة النقل بيانًا ثانيًا أوضحت فيه أنها لم تستهدف “حبس الصحفيين”، وإنما اكتفت بتقديم شكوى إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بوصفه الجهة المنوطة.
البيان شدد على احترام الوزارة لحرية الصحافة والنقد البنّاء، لكنه اتهم ملف “فيتو” بالاعتماد على معلومات غير دقيقة لم يتم التحقق منها بالتواصل مع مسؤولي الوزارة، وهو ما أتاح ـ بحسب البيان ـ الفرصة لانتشار شائعات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبين تصعيد أولي ثم تراجع نسبي في النبرة، تبقى الأزمة مفتوحة على جميع الاحتمالات: هل يختار الوزير كامل الوزير الاعتذار وطي الصفحة، أم يمضي في معركته مع الصحافة حتى النهاية؟






















