بالأمس 22 فبراير، كانت الذكرى الثامنة والستين للوحدة بين مصر وسوريا، الوحدة الوحيدة بين دول عربية كبيرة في الزمن المعاصر، ظهور الإسلام وحد العرب، بل ضم إليهم من تعربوا وصارت الدولة الإسلامية ممتدة الأطراف بين أواسط آسيا وحتى الشواطئ الغربية لأفريقيا، منطقة تعد قلب العالم، تطل وتسيطر على مجاري الملاحة المائية الرئيسية في العالم من المحيط الهندي وسواحل أفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس الخليج العربي وغيرها.
لم يكن للاستعمار أن يسكت فوجود دولة إسلامية تضم الوطن العربي بينها يعني وجود قوة كفؤة لإمبراطوريات العالم، فكانت في البداية الحروب الصليبية التي تحطمت على صخرة المقاومة والقوة الإسلامية، ولما جاءت الحرب العالمية الأولى كانت دولة الخلافة العثمانية صارت مريضة فتكالبت عليها دول أوروبا ومزقتها ووزعت فيما بينها تركتها وصنعت حدودا رسمت على الورق وكان اتفاقية سايكس – بيكو الإنجليزية الفرنسية بداية تمزيق الوطن العربي.
في منتصف القرن العشرين بدأت الدول العربية تنتفض وانتشرت حركات التحرر وكان على رأسها ثورة يوليو 1952 التي قادها الضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، حقق الثورة انتصارات باهرة اخرجت قوات الاحتلال الإنجليزي من مصر وأممت قناة السويس وشيدت السد العالي وشاركت في مؤتمر باندونج لتقود مع الهند ويوجوسلافيا حركة عدم الانحياز.
وظهر عبد الناصر قائدا عالميا رفع اسم بلاده عاليا ورفع اسم أمته ليدوي بين أمم العالم، وكانت الأخطار تحيط بسوريا وبدول الوطن العربي ورأى الشعب السوري أن وحدته مع مصر ستكون قوة للبلدين الشقيقين، فلطالما كنت مصر وسوريا بلدا واحد تحت حكم واحد وكان اتحادهما في الحروب علامة النصر فهما يمثلان “كماشة” على الأعداء فهزموا التتار وهزموا الصليبيين وكانوا قوة للدولة الإسلامية في كل زمان.
وافق الرئيس عبد الناصر على الوحدة التي كان يحلم بها، وتنازل الرئيس السوري شكري القوتلي عن منصبه مكتفيا بلقب المواطن الأول، وفي صباح شتوي من فبراير 1958 لم يكن الناس في القاهرة أو دمشق يدركون أنهم يعيشون لحظة ستصبح لاحقا مادة للحنين.
المقاهي كانت ممتلئة كعادتها والباعة يفتحون دكاكينهم لكن المذياع كان يحمل نبرة مختلفة، لم يكن مجرد بيان رسمي؛ كان إعلانا بأن دولتين شقيقتين قررتا أن تخرجا من ضيق الجغرافيا إلى اتساع الفكرة، صار اسم مصر وسوريا معا، الجمهورية العربية المتحدة، فجأة لم يعد البحر المتوسط يفصل بين شاطئين عربيين، بل صار طريقا داخليا لدولة واحدة.
كان ذلك الزمن زمن المشاعر الكبيرة، الشعوب الخارجة لتوها من الاستعمار لم تكن تبحث فقط عن خبز أو مصانع فحسب، بل عن كرامة ومعنى، كانت الهزيمة في فلسطين عام 1948 جرحا مفتوحا، وقد بدأ لكثيرين أن التجزئة نفسها جزء من المشكلة، الدول الصغيرة المتباعدة المتنافسة أحيانا لا تستطيع أن تصنع وزنا سياسيا أو عسكريا في عالم يتكتل بسرعة . بدا الحل بسيطا في ظاهره إذا كانت القوة في الحجم، فليكن الحجم أكبر، وإذا كانت الحدود ترسمها السياسة فلتمح بالسياسة أيضا.
لم تكن الوحدة قرار حكومتين بقدر ما كانت استجابة لحالة وجدانية عامة، الشارع العربي آنذاك لم يناقش التفاصيل الدستورية ولا شكل البرلمان المشترك، كان يتخيل مستقبلا واسعا، جيشا واحدا، اقتصادا واحدا، وموقفا دوليا واحدا، كان الناس يشعرون أن التاريخ أخيرا قد يميل لصالحهم بعد قرون من التفكك، لم تكن الوحدة بالنسبة لهم مشروعا إداريا، بل استعادة طبيعية لوضع مفقود.
لكن التاريخ لا يتحرك بالعاطفة وحدها، ما بدا بسيطا في الخيال كان معقدا في الواقع، الدولة الجديدة ولدت بسرعة تشبه سرعة إعلانها، لكنها لم تملك الوقت الكافي لبناء توازن داخلي حقيقي، فقد أُنشئت دولة مركزية تدار من القاهرة، ومع مرور الأشهر بدأ بعض السوريين يشعرون أن الشراكة تتحول تدريجيا إلى تبعية.
لم يكن الشعور موجها ضد فكرة الوحدة بقدر ما كان موجها ضد شكل إدارتها، فالدولة ليست علما ونشيدا فقط، بل شبكة مصالح ونخب وجيوش ومؤسسات، وكل واحدة منها تحتاج إلى موقع واضح داخل الكيان الجديد، ثم ظهر اختلاف أعمق مما توقعه الحماس الأول، المجتمعان لم يكونا متطابقين اقتصاديا ولا سياسيا.
الإجراءات الاقتصادية التي بدت مناسبة لمصر لم تستقبل بالراحة نفسها في سوريا، الضباط الذين كانوا عماد الحياة السياسية السورية شعروا أن دورهم يتضاءل في دولة واسعة تتجمع سلطتها بعيدا عنهم، هنا بدأت الوحدة تفقد توازنها الداخلي، لا بضربة واحدة بل بتراكم بطيء من الشكوك والامتعاض.
في الوقت نفسه لم تكن المنطقة العربية نفسها بيئة محايدة، بعض العواصم العربية رأت في التجربة أملا، وعواصم أخرى رأت فيها خطرا، الدولة العربية الكبيرة كانت تعني تحولا في ميزان القوى، لا مع الخارج فقط بل داخل العالم العربي ذاته، فكرة الوحدة التي ألهبت الشارع أثارت قلق بعض الأنظمة، لأن مشروعا قوميا واسعا غالبا ما يحمل معه خطابا سياسيا واجتماعيا يتجاوز الحدود، وهكذا دخلت التجربة في صراع عربي-عربي غير مباشر، صراع إعلامي وسياسي غذى المخاوف وساهم في تعميق الانقسامات.
أما العالم الخارجي فكان يعيش زمن الحرب الباردة، الشرق الأوسط لم يكن مجرد رقعة جغرافية بل عقدة استراتيجية كبرى تتعلق بالطاقة والممرات البحرية والتوازن العسكري، ظهور دولة كبيرة مستقلة القرار في هذه المنطقة لم يكن أمرا مريحا للقوى الدولية، لم يكن الأمر مؤامرة بسيطة كما تروى أحيانا، بل تلاقي مصالح دولية مع هشاشة داخلية، الضغوط الخارجية تصبح مؤثرة فقط عندما تجد بنية داخلية غير مستقرة، وهذا ما حدث.
حين وقع الانفصال السوري عام 1961 بدا وكأن شيئا انكسر في الوعي العربي، لم يسقط نظام سياسي فحسب، بل تراجع يقين كامل بأن الوحدة يمكن أن تتحقق بسهولة ومع ذلك لم تتوقف المحاولات،،قامت مشاريع اتحادات أخرى بين دول عربية في الستينيات والسبعينيات، لكنها كانت تولد محاطة بالشك وتنتهي بسرعة أكبر.
كان السبب هذه المرة أعمق من تجربة واحدة، الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال ترسخت، وصارت لكل دولة مؤسساتها ونخبها ومصالحها الخاصة، والوحدة تعني بالضرورة إعادة توزيع السلطة، وهو قرار أصعب من رفع الشعارات، ظهر التناقض الذي رافق التاريخ العربي الحديث، الشعور الشعبي العام ظل يميل إلى فكرة الوحدة، بينما البنية السياسية الفعلية كانت تتحرك في اتجاه الحفاظ على السيادة المنفصلة.
لم تكن المشكلة في صدق الحلم ولا في قسوته، بل في الفجوة بين الوجدان والنظام السياسي، الوحدة تحتاج إلى صبر مؤسسي وتدرج قانوني وتوازن مصالح، بينما ولدت التجربة الأولى من اندفاع عاطفي كبير لم يمنحها الوقت الكافي لتتشكل بهدوء، ومع مرور الزمن لم تختفِ الفكرة، بل تغير مكانها، خرجت من البيانات الرسمية إلى الثقافة والذاكرة، بقيت في الأغاني القديمة وصور الجماهير التي رفعت الأعلام نفسها في مدينتين مختلفتين، صارت أقرب إلى الحنين منها إلى البرنامج السياسي، لكن الحنين نفسه دليل على أن الفكرة لم تدفن تماما.
ربما لم تكن تجربة 1958 خطأً خالصا ولا فرصة ضائعة خالصة، كانت أشبه بمحاولة مبكرة لواقع لم ينضج بعد، كشفت أن الوحدة ليست قرارا يعلن، بل بناء طويل ومعقد يحتاج إلى مؤسسات بقدر حاجته إلى العاطفة، وإلى تفاهمات بقدر حاجته إلى الخطابة.
لذلك بقي السؤال مفتوحا إلى اليوم: هل فشلت الوحدة لأن الظروف كانت أقوى منها، أم لأنها سبقت زمنها؟ ربما الحقيقة بين الاثنين، فالأحلام الكبرى في التاريخ نادرا ما تموت، لكنها قد تتعثر، وتظل معلقة في ذاكرة الشعوب، تنتظر زمنا أكثر هدوء كي تجرب مرة أخرى.






















