رغم مرور السنين على عرض فيلم شمشون ولبلب إلا أننا نتذكره بتفاصيله ومعناه السياسي. يمكن لقوة أضعف أو أصغر أن تذل قوة كبيرة أو أقوى. بعد حرب دامت 10 أيام بين أمريكا وإسرائيل وإيران، شاهد العالم اندحار القوة العظمى أمام قوة إيران وهي دولة كبيرة أيضا لكنها أصغر وأضعف من أمريكا بلا شك. استطاعت إيران الدفاع عن شعبها وأرضها رغم القوة العاتية الأمريكية والإسرائيلية وصارت إيران مثلا يضرب في ضرب إسرائيل في الداخل وتدمير المجتمع الإسرائيلي نفسيا.
لكن خرج الرئيس الأمريكي ترامب بتصريحات قال فيها إن أمريكا حققت أهدافها من الحرب على إيران!! بالطبع يمكن له أن يقول ما يشاء، لكن العالم يرى ويعرف أن إيران لقنت القوتين درسا شفى غليل الشعوب العربية بجانب شعب إيران الذي فقد مرشده الأعلى ولكنه وثق تماما في جيشه وقدرته على حمايته والتصدي للعدوان الأمريكي الإسرائيلي.
ما قاله ترامب لا يعني إنهاء الحرب أو تأكيد أن دولته المنتصرة، ربما يمكنه تأكيد إنهاء جولة أو معركة، لكن الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي، إنما تأخذ القوى المتصارعة هدنة ثم تعود للمواصلة بعد التقاط الأنفاس، كما أن ترامب ليس المرجع الموثوق في إعلان انتصار قواته، لأن إيران وقفت بصلابة وقوة أمام الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية وكبدت قواتهما خسائر غير مسبوقة.
في تاريخ الصراعات الدولية نادرا ما تنتهي الحروب بوضوح يضاهي وضوح اندلاعها. فبداية الحرب عادة ما تكون لحظة محددة يمكن رصدها، ضربة عسكرية، إعلان رسمي، أو حادثة مفصلية. أما نهايتها فغالبًا ما تكون أكثر غموضا وتعقيدا، إذ تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية.
هذا ما ظهر بوضوح في التصريحات ترامب، وزعمه أن العمليات العسكرية حققت أهدافها وأن الحرب باتت مكتملة إلى حد كبير. في المقابل، رفضت طهران هذا التوصيف بشكل قاطع، مؤكدة أن إعلان نهاية الحرب ليس قرار واشنطن، بل قرار إيران نفسها. هذا التباين في الروايات يعكس حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، إعلان نهاية الحرب بحد ذاته جزء من الحرب.
في التحليل الاستراتيجي الكلاسيكي، تعرف نهاية الحرب عادة بثلاثة مؤشرات رئيسية: توقف العمليات العسكرية بصورة كاملة. أو توقيع اتفاق رسمي أو هدنة معترف بها. أو قبول الأطراف المتحاربة بنتائج الصراع. لكن في الصراعات الحديثة، خاصة في الشرق الأوسط، كثيرا ما تخرج عن هذه القاعدة. فالحرب قد تدخل مرحلة من الانخفاض في مستوى العنف دون أن تنتهي فعليا.
الرد الإيراني عبر الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة أظهر أن قدرة طهران على الرد بعد الضربة الاستباثية التي تعرضت لها، لم تشل بالكامل. وهذا يشير إلى أن انها تملك قدرات عسكرية كبيرة، وأن الصراع لم يصل إلى نقطة الحسم، بل ربما يدخل مرحلة توصف في العلوم العسكرية بأنها مرحلة إعادة التموضع العملياتي.
إلى جانب العمليات العسكرية، تدور في الحروب الحديثة معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة الرواية أو السردية. خلالها يسعى كل طرف إلى إقناع ثلاث دوائر رئيسية بأنه المنتصر: الجمهور الداخلي الحلفاء الإقليميين والدوليين، والرأي العام العالمي. أمريكا تؤكد أن الضربات العسكرية أضعفت البنية العسكرية الإيرانية وأعادت تثبيت قوة الردع الأمريكية. إسرائيل ترى أن العمليات وجهت ضربة استراتيجية للخطر الإيراني. أما إيران فتؤكد أن مجرد صمودها أمام قوة عسكرية كبرى يمثل انتصارا بحد ذاته. وان قوتها العسكرية ما زالت قوية وصامدة ويمكنها مواصلة الحرب لشهور أخرى
هذه التفسيرات المتعارضة ليست مجرد دعاية سياسية، بل تعكس إدراكا متزايدا بأن الشرعية السياسية للنصر لا تقل أهمية عن النصر العسكري نفسه.
في التحليل الاستراتيجي لا يحسم سؤال النصر بسهولة. فالحروب المعاصرة غالبا ما تفرز نتائج عائمة، حيث يتمكن كل طرف من تحقيق بعض أهدافه دون تحقيق حسم كامل. من الناحية العسكرية، نجحت أمريكا وإسرائيل في تنفيذ ضربات عميقة داخل إيران وإلحاق أضرار بالبنية العسكرية. لكن من الناحية السياسية والاستراتيجية، تمكنت إيران من الحفاظ على تماسك نظامها السياسي واستمرت في إظهار قدرتها على الرد، وهو عنصر أساسي في معادلة الردع. وبالتالي فإن ميزان الصراع الحالي لا يشير إلى نصر حاسم لأي طرف.
الفكر العسكري الكلاسيكي كان يعرف النصر في الحروب التقليدية القديمة وفق نموذج التدمير الكامل، أي إسقاط الدولة المعادية أو احتلالها. وقد استمر هذا النموذج حتى الحرب العالمية الثانية. رغم أن الفيلسوف العسكري الصيني صن زو قدم تصورا مختلفا حين كتب أن أعظم انتصار هو كسر مقاومة العدو دون قتال. في هذا المنظور يصبح النصر الحقيقي هو تحقيق الهدف بأقل تكلفة ممكنة.
أما المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز فقد وضع الأساس الفكري الحديث لفهم الحرب حين قال إن الحرب ليست سوى استمرار السياسة بوسائل أخرى. وبناء على هذا التصور، فإن معيار النصر ليس حجم الدمار بل تحقيق الهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله.
هذا يجعلنا نسأل: ما الهدف السياسي للحرب؟ يمكن أن يكون هدف أمريكا وإسرائيل، إبطاء البرنامج النووي الإيراني حتى لو لم يدمر بالكامل، إذ إن تأخيره لعدة سنوات يمثل مكسبا استراتيجيا مهما. أو إعادة ترسيخ ميزان الردع في الشرق الأوسط عبر إظهار أن أمريكا قادرة على ضرب إيران مباشرة إذا اقتضت الضرورة. وطمأنة الحلفاء الإقليميين، وخاصة إسرائيل ودول الخليج، بأن المظلة الأمنية الأمريكية ما تزال فاعلة. كما أن مثل هذه المواجهات المحدودة قد توفر فرصة لاختبار القدرات العسكرية والتكنولوجية للطرفين في ظروف قتال حقيقية.
في كل الأحوال وعندما ننظر إلى الصورة الاستراتيجية بشكل أعمق نجد أن هذه الحرب لا تمثل نهاية لصراع بقدر ما تمثل مرحلة من مراحله. فالحرب لم تنته بشكل واضح، وكل طرف يسعى إلى فرض روايته الخاصة عن النصر، بينما تشير الوقائع إلى غياب حسم استراتيجي نهائي. هذا الصراع قد يستمر لعقود أو يتخذ أشكالا متعددة بين المواجهة المباشرة والحرب غير المباشرة.
وتبقى قاعدة كلاوزفيتز قائمة: الحروب لا تنتهي عندما تتوقف المعارك، بل عندما تتحقق الأهداف السياسية التي بدأت من أجلها.






















